جارتي كانت بتحفر حفره في الجنينه

لمحة نيوز

 

"لازم أدخل دلوقتي."

ومشيت بسرعة متناسبش سنها، كأن فيه وحش بيطاردها.

​بالليل حكيت لسارة، قلتلها: "كانت مرعوبة يا سارة، مش متضايقة، مرعوبة!"

"مرعوبة منك؟"

"لا، من حاجة جوه البيت."

​الساعة اتنين بالليل، سمعت صوت خربشة. صوت حفر بجد وصوت حاجة بتتسحب. قمت وقفت عند الشباك. كان فيه خيال في جنينتها، طويل وعريض، مش هي خالص. كان بيسحب حاجة تقيلة متغطية بمشمع أزرق ناحية باب المطبخ.

"سارة، اصحي.. فيه حد في جنينة الست هدى."

"يا حاتم تلاقيه ابنها، نام بقى."

"الست دي محدش بيزورها أبداً!"

"خلاص اتصل بالبوليس لو قلقان أوي كده."

​مسكت التليفون، وبعدين حطيته، وبعدين مسكته تاني. هقولهم إيه؟ جارتي بتحفر في الجنينة وخايف منها؟

الصبح، نزلت أجيب الجرنان، لقيت آثار جزمة طين كبيرة واصلة لحد باب بيتها الجانبي. خبطت على الباب. محدش رد. خبطت تاني وتالت.

"يا حاجّة هدى؟ أنا جارك حاتم، كنت عاوز أطمن عليكي."

الستارة اتحركت سنة. وجيه صوتها مكتوم من ورا الباب: "أرجوك امشي.. أرجوك.. إنت كده بتزود المشاكل."

"مشاكل إيه؟ هو مين معاكي جوه؟"

"محدش."

"طب افتحي الباب."

"أبوس إيدك.. امشي."

​وقفت مكاني مش عارف أعمل إيه، ورجعت بيتي قعدت قدام سارة وأنا باصص في التليفون.

سارة قالتلي بهدوء:

"كلمهم يا حاتم."

"وأقولهم إيه؟ ست كبيرة بتقولي سيبني في حالي؟"

"خلاص متكلمهمش."

"طب ولو حصلها حاجة؟"

​منمتش الليلة دي. ومع أول ضوء للشمس، عرفت إني اتأخرت. أضواء البوليس (الأزرق والأحمر) كانت مالية حيطان أوضتي. جريت على الشباك. 6 عساكر في جنينة الست هدى، معاهم فؤوس وبيحفروا، والجيران كلهم واقفين يتفرجوا.

​نزلت جري بالجاكت بتاعي، وصلت للسور ولقيت المباحث فتحت واحدة من الحفر. الناس بدأت تهمس بجنون.

"ارجع ورا يا أستاذ،" العسكري قالي.

"أنا ساكن هنا، وشايف الست دي بتحفر بقالها 4 سنين!"

​في اللحظة دي، شفت "الصندوق". صندوق معدن مصدي، وجوه منه جوابات قديمة مربوطة بشريطة، وصور باهتة، وفردة جزمة بيبي صغيرة أوي.

قلبي سقط في رجلي.

​"يا ماما، قولي الحقيقة بقى!" الصوت ده كان جاي من شمالي. راجل في الأربعينات واقف جنب الظابط، وعامل نفسه متأثر أوي.

"ده ابنها، مدحت،" واحدة جارة همست. "هو اللي بلغ البوليس."

مدحت كمل بصوت عالي عشان الكل يسمع: "أمي مابقتش في وعيها بقالها شهور، وكنت بترجاها تتعالج. أنا شاكك إنها دفنت حاجات.. حاجات وحشة وممنوعة. مكنش قدامي حل غير إني أبلغ."

​الظابط هز راسه: "تمام يا أستاذ مدحت، كتر خيرك."

وبعدين شفت الست هدى. عسكريين مطلعينها والكلبشات في إيديها

الضعيفة المرتعشة، وشعرها الأبيض منكوش، كانت باينة ضعيفة جداً.

الظابط سألها: "يا حاجّة، فاهمة إحنا هنا ليه؟"

مردتش، كانت باصة في الأرض وبتعيط.

مدحت دخل في الكلام بسرعة: "هي مهزوزة يا فندم، مابقتش عارفة مين معاها ومين ضدها.."

​"مدحت.. اسكت،" صوتها كان واطي بس زي السكينة.

"يا ماما أنا بحاول أساعدك—"

"إنت كداب."

الكل سكت. ملامح مدحت اتغيرت لثانية، شفت في عينه غل وضيق، وبعدين رجع يمثل تاني: "شفت يا سيادة الظابط؟ مش عارفة مصلحتها فين."

 

​كنت هلف وأمشي وأسمع كلام سارة، بس الست هدى رفعت راسها. عينيها جت في عيني وسط كل الزحمة دي. وقالت كلمة واحدة بشفايفها من غير صوت: "أرجوك".

​سارة كانت ماسكة دراعي وبتقولي: "حاتم، لا. إحنا منعرفش إيه اللي في الصناديق دي."

"أنا عارف كفاية يا سارة."

​مدحت بصلي بصه كلها شك وتهديد، وفي اللحظة دي دمي غلي. عرفت إن الكلبشات دي محطوطة في الإيد الغلط.

طلعت قدام وقلت: "يا سيادة الظابط، لحظة واحدة. لازم تشوف حاجة الأول."

الظابط بصلي بضيق: "يا أستاذ ارجع ورا."

"أنا اسمي حاتم، وجارها الملاصق. وعندي تسجيلات كاميرات مراقبة لازم تشوفها قبل ما تمشي بالست دي."

​وش مدحت اتقلب: "يا فندم ده ميعرفش حاجة، أمي مريضة—"

قلتله وأنا مطلع الموبايل: "

طب فسرلي إيه اللي بيخليك تتسحب في جنينتها بالليل بقالك 3 أسابيع؟"

الظابط قرب مني: "وريني."

​فرجته الفيديوهات. مدحت وهو لابس "سويت شيرت" وبيدفن حاجات جنب الحفر اللي هي حفراها. مدحت وهو بيصور الحاجات اللي لسه دافنها بإيده عشان يثبت التهمة عليها.

مدحت بدأ يتلعثم: "ده.. ده مش زي ما إنت فاهم.."

​الظابط بص للست هدى بحنية وسألها: "إيه اللي في الصندوق ده يا حاجّة؟"

ردت وهي بتشهق من العياط: "جوابات جوزي الله يرحمه.. وجزمة بنتي اللي ماتت وهي لسه مولودة من 40 سنة. مدحت كان عاوز يرمي كل ذكرياتي عشان يبيع البيت وياخد فلوسه، وكان بيهددني يوديني مصحة. كنت بدفنهم عشان أحميهم منه، وأرجع أطمن عليهم كل أسبوع."

​الظابط لف لمدحت ببطء: "يا أستاذ مدحت، اتفضل معايا."

"إنتوا مجانين؟ دي أمي!"

"وإنت مقبوض عليك بتهمة البلاغ الكاذب، والنصب، والتنكيل بمسنة."

​الكلبشات اتفكت من إيد الست هدى، واتحطت في إيد ابنها. الست هدى بصتلي وهي بتترعش: "ليه ساعدتني؟ إحنا حتى مابنتكلمش."

قلتلها: "عشان كان لازم حد يسمعك. وأنا آسف إن الموضوع أخد مني 4 سنين عشان أفهم."

​بعد أسبوع، الست هدى فتحت ستايرها لأول مرة. ونادت عليا من فوق السور وهي بتضحك: "يا حاتم، هات سارة وتعالوا اشربوا معايا الشاي."

وفي الربيع ده،

ردمنا كل الحفر سوا.. وزرعنا في كل واحدة فيهم ورد.

اتعلمت إن فيه أسرار مش خطيرة.. دي أسرار مقدسة، ومحتاجة بس حد يكون عنده أصل ويسمعها.

تم نسخ الرابط