اختي ماتت يوم فرحي
وإن العيلة فضلت واقفة على رجليها.
من وقتها وأنا متأكدة إن كل محنة بنمر بيها بيبقى وراها منحة كبيرة من ربنا. رامي كان مجرد كابوس وفوقني، ويوسف كان العوض، بس كارما.. كارما كانت وهتفضل هي طوق النجاة، والسند والضهر اللي لولاه كنت ضعت. أمنا وسندنا الحقيقي هو عيلتنا، والدم عمره في يوم ما هيبقى مية.
ومع مرور السنين، كبرت كارما الصغيرة وبقت نسخة مصغرة من خالتها في شقاوتها وجدعنتها، وبقى بيتنا دايماً مليان دفا وعزوة.
مشروعنا أنا وكارما الكبيرة كبر أكتر وبقى براند معروف، وبقينا نفتح فروع في محافظات تانية. وفي كل فرع جديد كنا بنفتحه، كنا بنصر نحط لافتة صغيرة عند المدخل مكتوب عليها لكل بنت.. اختاري اللي يشيلك في عينه، مش اللي يطمع في اللي في إيدك.. الأمان غالي متفرطيش فيه.
يوسف جوزي كبر في نظري أكتر وأكتر مع الأيام، لأنه أثبت فعلاً إنه الراجل السند، وبقى هو وكارما زي الإخوات بالظبط، يشتركوا مع بعض في إنه يعملوا لي مفاجآت في عيد ميلادي،
وفي يوم، كنا معزومين كلنا عند بابا وماما بمناسبة عيد جوازهم الكام وأربعين. وبابا وقف وسط اللمة، ورفع كبيته وقال بصوت كله فخر وهو بيبص لي أنا وكارما أنا ربنا رزقني ببنتين، واحدة كانت العقل والضهر اللي حمت البيت، والتانية كانت القلب اللي ملا البيت فرحة.. أنا بتموت وأنا مطمن عليكم لأنكم بقيتوا إيد واحدة.
دموعنا كلنا نزلت، بس كانت دموع صافية ومفيهاش أي وجع. بصيت لكارما ولقتني بمسك إيدها وبضغط عليها، وهي بتسند راسها على كتفي.
في اللحظة دي اتأكدت إن القصة اللي بدأت بدموع وصدمة وكابوس، انتهت بأجمل طريقة ممكنة.. لأن ربنا لما بيقفل باب، بيفتح أبواب تانية كلها عوض وخير، ولأن الأخت مش مجرد اسم، الأخت هي الأمان الحقيقي اللي مهما الدنيا لفت بيك، هتلاقيها هي الحيطة اللي بتسندك وتمنعك تقع.
ودارت الأيام وسنتين ورا سنتين بيجروا، لحد ما جه اليوم اللي بنتي كارما الصغيرة اتخرجت فيه من الجامعة.
في حفلة تخرجها، كنا واقفين كلنا فخورين بيها؛ أنا ويوسف وبابا وماما، وطبعاً كارما الكبيرة اللي كانت بتزغرط وصرختها جايبة آخر القاعة من الفرحة، كأنها بتتحرج لابنتها هي مش بنت أختها.
وأحنا راجعين بالليل، يوسف كان سايق العربية، وبنتي نايمة على كتف خالتها ورا من التعب. بصيت لكارما في المراية ولقيتها بتبتسم وبتتأمل ملامح البنت. سألتها بصوت واطي بتفكري في إيه يا كوكو؟
ردت عليا وهي بتمسح على شعر البنت بفكر في حكمة ربنا يا نور.. زمان كنت شايفة إن حياتي انتهت لما العربية قلبت بيا في المية، ومكنتش قادرة استوعب أنا ليه بيحصلي كل ده.. بس دلوقتي وأنا شيفاكم مبسوطين، وشايفة كارما الصغيرة كبرت وبقت عروسة، عرفت إن ربنا نجاني عشان أشوف اللحظة دي.. عشان أكون السند اللي بيكمل معاكم المشوار.
يوسف دخل في الكلام
لما وصلنا البيت، ونزلنا، وقفت أنا وكارما في البلكونة نشرب شاي زي زمان وأيام زمان. الهوا كان بارد ومنعش، وبصينا للشوارع الهادية. مسكت إيدها وقلت لها عارفة يا كارما؟ الوجع بيروح، والصدمات بتموت، والناس المزيفة بتختفي زي الدخان.. بس الأهل الحقيقيين بيفضلوا ثابتين زي الشجر.
ضحكت وقالتلي يا سيدي على الحِكم! بس فعلاً يا نور.. الدنيا دي ملهاش أمان، بس الأمان الحقيقي إحنا بنصنعه بلمتنا وبوقفتنا جنب بعض.
قصتي بدأت بأكبر صدمة وكابوس ممكن بنت تعيشه يوم فرحها، بس بمحبة أختي وجدعنتها، وبصبر وعوض ربنا، انتهت بأجمل حكاية دفا واستقرار. وعرفت إن مهما كانت المطر حامية والعاصفة شديدة، طول ما ضهرك مسنود على أخت وأهل بيحبوك بجد، عمرك ما هتقع، وهتوصل لبر الأمان وأنت واقف على رجليك ورافع راسك لفوق.