التانية كانت رانيا عايشة أسوأ أيامها، صحابها اللي كانوا حواليها اختفوا، الناس بقت تبصلها باحتقار، حتى الأماكن اللي كانت بتحب تروحها بقت تسمع فيها همسات وسخرية، وأبوها خسر صفقة كبيرة بسبب الفضيحة، لأنه كل ما يقعد مع حد في شغل أو اجتماع يلاقي الناس عارفين اللي حصل في الفرح، وفي يوم دخل البيت متعصب ورمى الموبايل على الترابيزة وقال لها إنتي دمرتي مستقبلنا! رانيا لأول مرة تحس بالخوف الحقيقي، لأنها كانت فاكرة إن الفلوس والشكل والعلاقات كفاية يخلوا أي حد يكسب، لكنها اكتشفت متأخر إن الناس ممكن تنسى الغلط كله إلا قلة الأصل، ومن كتر الضغط بدأت تتغير، بقت تنام بالعافية، وتصحى مفزوعة من كوابيس، تشوف نفسها واقفة في القاعة والناس كلها بتبص لها باشمئزاز، وتشوف الست كرمة بعينيها المكسورة وهي ساكتة، وفي مرة نزلت تتمشى عشان تهرب من التوتر، لقت ست كبيرة قاعدة قدام صيدلية لابسة إيشارب على راسها واضح إنها مريضة سرطان، أول ما شافتها جسمها اتجمد، وحست إن قلبها اتقبض بشكل مؤلم، الست كانت بتضحك مع حفيدتها الصغيرة رغم التعب، وهنا رانيا لأول مرة
تسأل نفسها أنا عملت إيه؟ لكن الندم لما بييجي متأخر مبيبقاش ليه نفس القيمة، وبعد شهور حالة الست كرمة الصحية ساءت جدًا، والدكتور قال إن لازم تعمل عملية دقيقة وخطيرة، الليلة اللي قبل العملية كانت المستشفى هادية، وشريف قاعد جنب السرير ماسك إيد أمه، وهي بصاله بابتسامة تعبانة وقالت لو حصلي حاجة متزعلش. شريف انفجر في العياط وقال متقوليش كدة. فقالت بهدوء أنا راضية يا حبيبي بس أوعى في يوم تكسر حد ضعيف عشان ترضي حد تاني. الكلمة فضلت ترن في دماغه طول الليل، وفي الصبح أخدوها العمليات، والساعات عدت تقيلة بشكل مرعب، شريف كان ماشي رايح جاي قدام الأوضة، والحاج مصطفى قاعد ساكت بيقرأ قرآن وإيده بتترعش، ولأول مرة شريف يشوف أبوه خايف بالشكل ده، وبعد ساعات طويلة الدكتور خرج وقال إن العملية نجحت لكن الحالة محتاجة وقت وتعافي طويل، وقتها شريف حضن أبوه بقوة وكأنهم الاتنين كانوا بيغرقوا وطلعوا للنور بالعافية، وبعد فترة الست كرمة بدأت تتحسن تدريجيًا، وشعرها يطلع تاني خفيف، ووشها يرجعله شوية روح، وفي يوم كانت قاعدة في الجنينة الصغيرة قدام البيت تسقي
الورد، وشريف قاعد جنبها، فقالت فجأة عارف أكتر حاجة وجعتني يوم الفرح؟ شريف نزل بعينيه وقال إني سكت. هزت راسها وقالت لا إنك كنت مكسوف مني. شريف حس نفسه اتخبط في قلبه، لأنها قالت الحقيقة اللي كان بيهرب منها، فقال بعياط مكتوم كنت غبي وضعيف. الست كرمة ابتسمت بحزن وقالت كلنا بنغلط بس مش كل الناس بتتعلم. ومن يومها شريف اتغير فعلًا، بقى أقرب لأهله، أبسط في حياته، حتى الشركة بقى يديرها بطريقة مختلفة، يهتم بالناس اللي شغالة معاه ويحترم الكبير والضعيف، وكأن اللي حصل كسر فيه حاجة قديمة وخلق بني آدم جديد، وفي يوم وهو خارج من الشركة لمح رانيا واقفة بعيد، شكلها متغير جدًا، وشها شاحب وعينيها باين فيها الإرهاق، قربت منه بتردد وقالت ممكن أتكلم معاك دقيقة؟ شريف وقف ساكت، فقالت وهي بتحاول تمنع دموعها أنا استاهل كل اللي حصلي بس والله ما كنت فاهمة إني وصلت للقسوة دي. شريف فضل ساكت شوية وبعدين قال إنتي جرحتِ إنسانة مريضة قدام الناس. رانيا هزت راسها بعياط وقالت عارفة ومش قادرة أنسى شكلها. وبعد لحظة صمت طويلة قالت أنا روحت جمعية بتساعد مرضى السرطان
وبقيت أروح كل أسبوع. شريف بص لها باستغراب، فقالت يمكن ربنا يسامحني. لكنه رد بهدوء اللي انكسر مش بسهولة يتصلح. ومشي وسابها واقفة، لأنه رغم إن الندم ممكن يغير ناس كتير، إلا إن بعض الجروح بتفضل عايشة مهما مر الزمن، وفي ليلة شتوية بعد سنة ونص تقريبًا، كانت الست كرمة قاعدة وسط عيلتها الصغيرة، ضحكتها رجعت أخف شوية، وصحتها بقت أحسن، وشريف كان بيحضر لها الشاي بنفسه، والحاج مصطفى بيبصلهم من بعيد وعينيه فيها راحة أخيرًا، وفجأة الست كرمة قالت وهي بتضحك تصدق يا شريف؟ أنا بقيت أحب شعري القصير الجديد. شريف ضحك لأول مرة من قلبه وقال أجمل من أي شعر في الدنيا. والحاج مصطفى قال بابتسامة هادية الجمال عمره ما كان في الشعر يا كرمة الجمال في القلب النضيف. والست كرمة بصت لابنها وقالت وأغلى حاجة في الدنيا إن الإنسان يفضل إنسان مهما تعب. وقتها شريف مسك إيد أمه وباسها بهدوء، لأنه أخيرًا فهم الدرس اللي دفع تمنه غالي جدًا إن الأم لما تنكسر بسبب ابنها، الزمن كله ميكفيش عشان يداوي قلبها، لكن الحب الحقيقي يقدر على الأقل يحاول يصلح اللي اتكسر.