حقك عليا يا أمي أنا خذلتك. والست كرمة بصتله بدموع وسكتت، لأنها كانت موجوعة أكبر من الكلام، بينما رانيا فقدت أعصابها وبدأت تصرخ يعني هتسيبني عشان الست دي؟! وهنا شريف وقف وبصلها نظرة كلها قرف وقال دي أمي. الكلمة نزلت على رانيا كأنها صفعة، لأنه لأول مرة من شهور يحط أمه قبلها، وبعدها شريف فك رابطة الكرافتة ورماها على الأرض وقال قدام الناس كلها الجوازة دي انتهت. صريخ أم رانيا على عياطها على صوت المعازيم اللي بقوا يصوروا بالموبايلات، والقاعة اللي كانت من ساعة معمولة للفرح اتحولت لمأتم حقيقي، بينما الست كرمة قامت بالعافية بمساعدة جوزها، وكانت ماشية ببطء لكن راسها مرفوعة، لأنها رغم المرض والوجع والإهانة، خرجت من القاعة وهي لسه أنضف وأشرف من ناس كتير أصحاء، وشريف جري وراها برا القاعة تحت المطر اللي بدأ ينزل، ووقف قدامها وهو بيعيط بحرقة طفل صغير، وقال سامحيني. الست كرمة لمست وشه بإيدها المرتعشة وقالت بصوت ضعيف أنا زعلانة منك بس قلبي عمره ما هيعرف يكرهك يا ضنايا. شريف حضن إيدها وبكى أكتر، والحاج مصطفى وقف يبصلهم وعينيه مليانة وجع وفخر في نفس الوقت، لأنه أخيرًا ابنه فهم إن الرجولة مش بدلة غالية ولا فرح فاخر
ولا صورة على إنستجرام الرجولة إنك تحمي اللي تعبوا عشانك حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدهم، وبعد شهور طويلة الست كرمة دخلت عملية خطيرة، وشريف فضل معاها يوميًا، كان هو اللي يعملها الأكل ويوديها الجلسات ويقعد جنبها بالساعات، وكل مرة كانت تضعف كان يحاول يرجعلها جزء من الحب والأمان اللي ضيعه منها، أما رانيا فكل الناس بعدت عنها، والجوازة اللي كانت فاكرة إنها هتفتح لها أبواب المجتمع قلبت فضيحة، وأبوها خسر شراكته مع الحاج مصطفى، والناس بقوا يحكوا قصتها باعتبارها مثال للبنت اللي باعت إنسانيتها عشان المظاهر، وفي يوم بعد سنة كاملة كانت الست كرمة قاعدة في البلكونة وقت الغروب وشعرها بدأ يطلع تاني خفيف وصغير، وشريف قاعد عند رجليها يشرب الشاي معاها، فقالت له بابتسامة هادية شايف؟ الشعر بيرجع بس الكلمة الجارحة أصعب من المرض يا ابني. شريف نزل دموعه وباس إيدها من غير كلام، لأنه فهم متأخر إن الإنسان ممكن ينجو من السرطان لكن عمره ما ينسى كسرة جاية من أقرب الناس لقلبه.
بعد اللي حصل في الفرح بأسبوعين كاملين، اسم رانيا كان بقى على كل لسان، الفيديوهات اتملت بيها السوشيال ميديا، وكل حد حضر الليلة كان بيحكي بطريقته إزاي العروسة
حولت فرحها لمشهد إهانة لست مريضة، وإزاي النهاية قلبت عليها في ثانية قدام الناس كلها، لكن أكتر حد كان عايش في نار حقيقية مكانش رانيا كان شريف، لأنه كل يوم كان بيصحى على صورة أمه وهي قاعدة تحت النور القوي في القاعة، مكسورة ومستخبية بإيديها بعد ما اتشدت الباروكة من على راسها، الصورة دي بقت تطارده حتى في نومه، يقوم مفزوع آخر الليل وعرقه مغرق هدومه، يروح يقف قدام أوضة أمه يتأكد إنها لسه موجودة ولسه عايشة ولسه راضية تكلمه، والست كرمة رغم الوجع اللي جواها كانت بتحاول تتعامل معاه بهدوء، لكن العلاقة بينهم عمرها ما رجعت بسهولة، لأنها كانت كل ما تبصله تفتكر اللحظة اللي دورت فيها بعينيها عليه عشان يحميها فهرب منها وبص في الأرض، والخذلان ده كان أوجع من المرض نفسه، وفي يوم الصبح كانت قاعدة على الكنبة بتشرب دواها، وشريف دخل عليها ومعاه علبة صغيرة، قعد قدامها بهدوء وقال دي أول باروكة اشتريتهالك بعد ما وقع شعرك فاكرة؟ الست كرمة بصتلها وسكتت، فقال وهو صوته بيترعش أنا لقيتها جوه الدولاب وافتكرت يومها إنتي كنتي بتضحكي وتقوليلي الحمد لله إنه شعر ويروح المهم الصحة يا حبيبي. سكت شوية وبعدين قال وهو بيبكي أنا اللي مرضت
قلبك يا أمي. الست كرمة غمضت عينيها كأنها بتحارب دموعها وقالت الإنسان ساعات بيتوه يا ابني بس المهم يعرف يرجع قبل ما يخسر نفسه. ومن يومها شريف بدأ يحاول بكل طريقة يعوضها، بقى يسيب الشركة بالساعات ويقعد معاها، ياخدها تتمشى بالعربية وقت المغرب، يجيبلها الأكل اللي بتحبه حتى لو مبتاكلش غير لقمتين، ولما كانت تتعب من الكيماوي كان يقعد جنبها لحد الفجر، وفي مرة وهي نايمة على الكنبة من التعب، قعد يبصلها وهي ضعيفة وخسيت بشكل صعب، وفجأة افتكر قد إيه الست دي استحملت عشانه، افتكر إنه عمره ما شافها تشتكي رغم إنها كانت بتخبي ألمها تحت الضحك، وفهم إن أكتر شخص كان بيحبه في الدنيا هو أكتر شخص خانه، أما الحاج مصطفى فكان هادي بشكل غريب، لكنه من جواه كان محطم، لأنه حس إنه فشل يربي ابنه على الأصول اللي عاش عمره كله متمسك بيها، وفي ليلة كان قاعد في المكتب وشريف دخل عليه وقال أنا عارف إنك مش هتسامحني بسهولة. الحاج مصطفى فضل ساكت شوية وبعدين قال أنا زعلي مش عشان مراتك أهانت أمك زعلي الحقيقي إنك سكت. الكلمة دخلت في قلب شريف زي السكينة، لأن أبوه كان دايمًا يقول له الرجولة موقف، وهو يومها سقط في أهم موقف في حياته، وفي الناحية