منذ أن كنتُ في الرابعة عشرة من عمري
تقارير من مستشفى الأمراض النفسية في بغداد.
وفي أول صفحة تشخيص واضح
اضطراب بارانويا حاد مصحوب بنوبات عنف وشك مرضي.
شعرتُ بدوار.
بدأتُ أقرأ بسرعة أكبر.
تقارير عن اعتداءات متكررة. جلسات علاج. تحذيرات من خطر بقائنا نحن الأطفال وسط تلك النوبات.
ثم وجدنا رسالة بخط يد أبي.
كانت طويلة لكن أول سطر فيها حطم كل شيء
أبنائي لم أخن أمكم يومًا.
توقّف نفسي تمامًا.
أكملت القراءة ويدي ترتجف.
كتب أبي أنه تعرّف على زوجته الثانية بعد سنوات طويلة من الانفصال العاطفي مع أمي لكنها لم تكن سبب الطلاق أبدًا.
الحقيقة أن أمي كانت تعاني من مرض نفسي خطير منذ سنوات.
كانت تشكّ في كل امرأة يراها أبي. تكسر الأثاث.
وفي تلك الليلة التي لا أنساها ليلة تحطم الزجاج
كتب أبي الحقيقة كاملة.
أمي هي من أمسكت الزجاج وكسرته بنفسها أثناء
نوبة غضب. ثم أمسكت قطعة مكسورة وهددت أن تقتل نفسها أمامنا نحن الأطفال.
وأبي هو من أخذنا إلى غرفة أخرى وأغلق الباب علينا حتى لا نراها.
لكن الصدمة الأكبر كانت الصفحة الأخيرة.
هناك تقرير رسمي من المحكمة.
أبي كان يملك حق حضانتنا الكامل.
القاضي أوصى بإبعادنا عن أمي حفاظًا على سلامتنا النفسية.
لكن أبي رفض.
رفض أن يأخذنا منها.
وكتب في رسالته
لم أستطع حرمانكم من أمكم حتى وهي تكرهني. اخترت أن أتحمل كرهكم لي، على أن تكبروا
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أبكي بصوتٍ هستيري.
أما أخي فجلس على الأرض كأنه فقد القدرة على الحركة.
ظل يردد يعني بابا كان بريئًا؟
ثم انهار تمامًا.
وجدنا أيضًا عشرات الرسائل التي كتبها أبي لنا عبر السنين ولم يرسلها أبدًا.
رسائل في أعياد ميلادنا. في حفلات تخرجنا. حتى يوم زفافي
كان يحتفظ بصورة لي بفستان الزفاف داخل محفظته.
وفي إحدى الرسائل كتب
أعرف أن ابنتي تكرهني لكنني أدعو الله كل ليلة أن يأتي يوم تفهم فيه لماذا ضحّيت بصورة الأب الجيد.
لم أنم تلك الليلة.
وفي الصباح ذهبتُ مباشرة إلى أمي.
كنت أرتجف وأنا أواجهها.
وضعتُ التقارير أمامها.
في البداية أنكرت.
ثم بدأت
ثم تبكي.
ثم فجأة انهارت على الكرسي وقالت بصوتٍ مكسور
كنتُ خائفة خائفة أن تخسروني لو عرفتم الحقيقة.
ولأول مرة في حياتي رأيت أمي ليست كضحية بل كامرأة مريضة عاشت سنوات داخل خوفٍ ومرضٍ لم تعالجه أبدًا.
لم أصرخ عليها.
ولم أستطع كرهها أيضًا.
لكن شيئًا داخلي انكسر إلى الأبد.
مرت ثمانية أشهر الآن على وفاة أبي
وحتى اليوم أجلس أحيانًا وحدي وأبكي لأنني لم أقل له مرة واحدة فقط
أنا آسفة يا أبي.
أما زوجته الثانية
المرأة التي كرهناها عشرين سنة
فهي اليوم الشخص الوحيد الذي يزور أمي أحيانًا ليطمئن عليها.
وفي كل مرة أراها أشعر بالخجل من نفسي.
لأننا حاكمناها دون أن نعرف الحقيقة.
ولأن الرجل الذي