منذ أن كنتُ في الرابعة عشرة من عمري
المحتويات
منذ أن كنتُ في الرابعة عشرة من عمري
وأمي تزرع داخلنا كراهية امرأةٍ لم نرها قط.
كانت تقول لنا دائمًا إن تلك المرأة سرقت أبي منّا
وأنها السبب في خراب بيتنا وتشتيت عائلتنا.
كلما سألنا عن سبب طلاقهما
كانت أمي تبكي وتقول
أبوكم باعنا من أجل امرأة أخرى.
ثم تنهض وتغلق باب غرفتها، بينما نبقى نحن غارقين في شعورٍ مرير بأننا أبناء رجلٍ خذل عائلته.
كنتُ أنا الابنة الكبرى.
أما أخي فكان أصغر مني بثلاث سنوات فقط.
وأقسم أنني ما زلت أتذكر تلك الليلة جيدًا
الصراخ.
صوت تحطّم الزجاج.
وأمي تبكي وهي تقول
لن أسامحك ما حييت!
وفي صباح اليوم التالي
رحل أبي من البيت.
ومنذ ذلك اليوم
تحوّل في أعيننا إلى رجلٍ قاسٍ ترك زوجته وأطفاله لأجل امرأة أخرى.
كانت أمي تكرر القصة نفسها في كل مناسبة.
إذا اتصل أبي
كانت تقول لنا
لا تردّوا عليه.
وإذا خرجنا لرؤيته
تبقى غاضبة طوال اليوم، وكأننا خنّاها
كبرنا ونحن نصدّقها.
وأنا تحديدًا
كنتُ أكره أبي بشدة.
في كل مرة يرسل لنا المال كنت أقول في داخلي
يحاول شراءنا فقط.
لكن الغريب
أنه لم يتوقف يومًا عن السؤال عنا.
كان يدفع مصاريف الدراسة.
ويحضر لنا الهدايا في الأعياد.
ويحاول الاقتراب منّا دائمًا رغم برودنا.
لكننا كنا نرفضه أكثر فأكثر.
أتذكر مرةً أنني صرخت في وجهه وأنا في السابعة عشرة
أنت دمّرت حياتنا!
يومها
خفض رأسه فقط.
ثم قال بهدوء
سيأتي يوم وتفهمين الحقيقة.
كرهتُ تلك الجملة.
كنت أظنها مجرد محاولة ليتظاهر بالبراءة.
مرت السنوات
وتزوجتُ أنا.
وسافر أخي إلى أربيل للعمل.
أما أبي
فبقي يعيش في بيتٍ صغير مع زوجته الثانية في أطراف بغداد.
ولم نكن نزوره إلا نادرًا.
حتى جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.
قبل ثمانية أشهر
اتصل بي أخي فجرًا وهو يبكي.
قال جملة واحدة فقط
بابا توفّى.
شعرتُ حينها وكأن شيئًا
ورغم كل الغضب الذي حملته تجاهه طوال عمري
بكيتُ بطريقة لم أتوقعها.
وفي يوم العزاء
رأيتها للمرة الأولى.
المرأة التي كرهناها لسنوات.
كنتُ أتوقع امرأة متكبرة أو متصنعة
لكنني صُدمت.
كانت سيدة هادئة ومحترمة، ترتدي عباءة سوداء بسيطة، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
حتى إنها كانت تستقبل المعزّين وكأنها تخشى أن تنظر إلينا مباشرة.
بعد انتهاء العزاء
اقتربت منّا بهدوء وقالت
أعرف أنكم لا تحبونني لكن هناك شيء أوصاني والدكم أن أعطيكم إيّاه بعد وفاته.
نظر أخي إليها بحدّة وقال
لسنا بحاجة لشيء منكِ.
لكنها لم تغضب.
أخرجت مفتاحًا صغيرًا من حقيبتها وقالت
هذا مفتاح خزانته الخاصة قال إن الوقت لن يحن لفتحها إلا بعد رحيله.
شعرتُ بانقباض غريب في صدري.
لكن أخي أخذ المفتاح بعصبية وقال
وماذا يوجد فيها؟
صمتت للحظاتثم قالت جملة جعلت الدم يتجمّد في عروقي
الحقيقة التي
تجمّدتُ في مكاني.
أما أخي فضحك بسخرية وقال أي حقيقة؟ كفاية تمثيل بقى.
لكن المرأة لم ترد.
اكتفت بالنظر إلينا بحزن ثم قالت افتحوا الخزانة وبعدها احكموا على الجميع.
غادرت الغرفة بهدوء.
وبقي المفتاح في يد أخي يرتجف.
في تلك الليلة ذهبنا إلى بيت أبي لأول مرة منذ سنوات دون أن يكون موجودًا فيه.
كان البيت صغيرًا جدًا أصغر بكثير مما تخيلت.
أثاث قديم. جدران باهتة. ورائحة أبي ما زالت في المكان.
دخل أخي غرفة نومه بعصبية. وبدأنا نبحث عن الخزانة.
كانت خزانة حديدية صغيرة خلف الستارة.
أدخل المفتاح وانفتح الباب بصوتٍ خافت.
في البداية لم نجد شيئًا غريبًا.
بعض الأوراق. دفاتر قديمة. صور لنا ونحن أطفال.
ثم رأيتُ ملفًا بنيًا كُتب عليه بخط أبي
لا يُفتح إلا بعد وفاتي.
شعرتُ ببرودة في أطرافي.
فتح أخي الملف بسرعة ثم بدأ وجهه
مستحيل
سحبتُ الأوراق من يده.
وكانت الصدمة الأولى
تقارير طبية قديمة باسم أمي.
متابعة القراءة