انا تعبت من مصاريفك

لمحة نيوز

**"جوزي وقف في نص المطبخ بـ كل ثقة وقال لي: 'أنا تعبت من مصاريفك وشيل شيلتك، ومن أول الشهر ده كل واحد فينا يمسك فلوسه لـ لوحده!'.. وافقت بـ ابتسامة من غير ما نطق بـ كلمة، ودخلت المطبخ لزقت ورقة باسمي وسعري على كل فتكاية في البيت أنا دفعاها من جيبي.. ولما عيلته شرفت يوم السبت مستنية العزومة والمحمر والمشمر كالعادة، م كنش قدامه يقدم لهم غير الـكسوف والـفضـيحة اللي بـ بجلاجل!"**
أنا اسمي "مروة"، والحكاية بدأت لما جوزي "شريف" قالي الكلمتين دول في المطبخ وهو بـ يتنطط من الثقة، لدرجة إني صعب عليا من غبائه، كنت ماسكة السكينة بـ إيدي وبـ أخرط خضرة عشان العشاء، ولـ تلات ثواني بـ التمام م كنش مسموع في الأوضة غير صوت زن التلاجة، م صرختش، م عيطتش، ولا حتى إيدي وقفت عن التخريط، بصيت له وقولت بـ منتهى الهدوء: "طبعاً يا حبيبي.. فكرة ممتازة".
شريف بربش بـ عينه كأنه كان مستني عاصفة وخناق ولقى الدنيا ربيع: "ممتازة؟"، قولت له: "أيوة.. الاستقلال المادي ده حاجة مودرن، وعدل، وكل واحد يبقى على نور، هنبدأ من بكرة"، بوقه فضل مفتوح من الصدمة، جوزي مهندس ديكور في شركة مقاولات كبيرة في التجمع، بـ يقبض مرتب كويس جداً، بس بقاله سنين بـ يتعامل كأن مصاريف البيت والخير اللي فيه بـ ينزلوا علينا من السما بـ معجزة.
أنا بقا مديرة شحن دولي في شركة قطع غيار عربيات في أكتوبر، بـ أكسب أكتر منه بـ كتير، وبـ أشتغل ساعات أطول، ومع ذلك كنت بـ أقف كل يوم سبت أطبخ لـ عيلته بـ الـكامل كأن مطبخي بوفيه مفتوح بـ بلاش، في الأول كنت بـ أعمل كدة بـ حب، أمي الله يرحمها علمتني إن اللقمة الهنية بـ تجمع الحبايب، وكنت بـ أفرح وأنا بـ أعمل الصواني والمحاشي والبط والحلويات اللي بـ تملى البيت دفا.
الطبخ عمره م كنش المشكلة،

المشكلة كنيت حماتي "الحاجة عايدة"، اللي كنيت بـ تشرف كل يوم سبت ومعاها شنطة مليانة علب ثلاجة فاضية وبوق مليان اِنتقادات: "الرز دلع شوية يا مروة"، "الفراخ حلوة بس لو كنيتِ زودتِ السمن البلدي"، "يا بنتي بـ المرتب اللي بـ تاخديه ده كنيتِ هاتي لحمة بلدي قطعيتها أكبر من كدة!"، وبعد ما تاكل، تعبي نص التلاجة في علبها عشان تأكل ابنها التاني "حسام" ومراته وعيالهم التلاتة طول الأسبوع!
م حدش كان بـ يسأل الحاجات دي بـ تتكلف كام، م حدش كان بـ يغسل طبق ورا منه، ولا حد كان بـ يقول تسلم إيدك من غير ما يحط بعدها كلمة "بس"، في الشهر ده، ومن باب الفضول، فتحت جدول المصاريف بتاعي على اللاب توب، وحسبت اللحمة، الخضار، الفاكهة، الـعصاير، الهدايا في أعياد ميلاد عيال أخوه، وحتى الأدوية اللي شريف بـ يشتريها لـ أمه عشان "الست الغلبانة معاشها م بـ يكفيش".
لقيت نفسي صرفت في سنة واحدة أكتر من ٩٠ ألف جنيه على عزومات يوم السبت بس! وشريف كل اللي بـ يحطه في حصالة البيت ٣ تلاف جنيه في الشهر، وباقي مرتبه بـ يصرفه على لبسه، وخروجاته مع صحابه، والتحويلات اللي بـ يبعتها لـ أمه في السر، والأسبوع اللي فات، جيه البيت شايل أحدث جهاز بلاي ستيشن وبـ يقول "دلع تافه كدة"، في نفس اليوم اللي كنت دافعة فيه فاتورة الكهرباء، والغاز، ومصاريف السوبر ماركت، وشنطة المدرسة الجديدة لـ ابن أخوه.
لما طلبت منه يزود مصروف البيت شوية، اتنهد بـ الخنقة كأني بـ أسحب الأكسجين من صدره: "أنتِ م وراكيش غير السيرة دي يا مروة؟"، م ردتش، بس سجلت كل حاجة، وفهمت إن الفكرة م كنيتش فكرته لـ لوحده، بقاله أسبوعين بـ يتكلم عن صاحبه "مدحت" الراجل المطلق المحروق من الدنيا اللي بـ يقول إن الستات بـ تعيش على قفا الرجالة، وحماتي كملت الجملة يومها على
السفرة: "الجواز الحديث كل واحد بـ محفظته، عشان م حدش يشيل حد".
فهمت إنهم فاكرين إني عايشة على قفا شريف، وفاكرين إن طابخي، وتنظيفي، وشقايا في السوق، ومرتبي، كل دي واجبات وسكات، تاني يوم الصبح، عملت فطار لـ فرد واحد؛ بيض بـ البسطرمة، توست محمص، وشاي بـ اللبن، وقعدت أكل بـ روقان بال، شريف نزل وشعره منكوش: "فين الفطار بتاعي؟"، قولت له: "اعمل لـ نفسك.. مش الذمة المالية المنفصلة؟ كل واحد بـ يشيل نفسه من النهاردة".
فتح التلاجة واتصدم؛ كل حاجة كان محطوط عليها لزقة بمبي بـ اسمي؛ البيض، الجبنة، اللبن، اللانشون، الزبدة، وحتى قزازة المية المتبخرة، بص لـ التلاجة كأنها خانته: "أنتِ معلمة الأكل بـ اسمك؟"، قولت له: "طبعاً.. مش كل واحد بـ يدفع تمن حاجته؟ يبقى كل واحد ياكل حاجته"، قال بـ النرفزة: "م كنيتش افتكر إنك تافهة وهتاخدي الكلام بـ الحرف كدة!"، قولت له: "أنا بـ أحترم الرغبات أوي"، ونزلت شغلي وسبته واِقف بـ ياكل رغيف عيش ناشف بـ الجبنة القريش اللي أمه جيباها له.
ركبت الأسانسير وأنا بـ أبتسم بـ منتهى الراحة، شريف كان عوز بيت مقسوم حيطان، وهو دلوقتي بـ يخبط في أول حيطة سد، بس يا ترى إيه اللي حصل لما عيلته شرفت يوم السبت بـ الليل بـ علبهم الفاضية ومستنيين العزومة الكبيرة، وإزاي مروة قلبت التربيزة عليهم كلهم وخليت شريف يدفع تمن كلامه قدام أمه وأخوه قرش بـ قرش؟
 

 

السبت جه…

والبيت كان هادي بطريقة تخوف.

مفيش ريحة محشي.

ولا صوت صواني بتترزع في الفرن.

ولا مروة بتجري بين المطبخ والسفرة وشعرها مرفوع بـ الكلبسة وهي بتلحق العزومة قبل ما عيلة جوزها توصل.

النهاردة…

مفيش غير صوت مسلسل شغال بهدوء من التلفزيون، ومروة قاعدة على الكنبة بـ البيجامة القطيفة، حاطة ماسك على وشها،

وفي حضنها طبق فشار كبير.

الساعة دقت سبعة.

جرس الباب رن.

ابتسمت وهي سامعة صوت حماتها من برة: "افتح يا شريف… اللحمة هتبرد!"

شريف كان واقف في المطبخ بـ الرعب، فاتح التلاجة للمرة العاشرة كأنه مستني الأكل يظهر بـ السحر.

لكن كل اللي لاقاه:

علب شفافة عليها لزق بمبي.

"جبنة مروة."

"فراخ مروة."

"عصير مروة."

"حتى الليمون ملكية خاصة."

لف ناحية الصالة: "مروة… الناس وصلت."

ردت من غير ما تبص له: "ما تفتح يا حبيبي… دي عيلتك."

فتح الباب.

الحاجة عايدة دخلت بـ هيبتها المعتادة، ووراها حسام ومراته والعيال، وكل واحد شايل علبة فاضية مستني تتعبي.

أول ما دخلت الصالة بصت حواليها باستغراب: "إيه ده؟ فين السفرة؟"

مروة رفعت عينها بهدوء: "أي سفرة؟"

عايدة ضحكت الضحكة السمجة بتاعتها: "بلاش هزار يا مروة… المحشي فين؟"

مروة أخدت حباية فشار بـ برود: "ما عملتش."

الصالة كلها سكتت.

حسام بربش: "يعني إيه ما عملتيش؟"

مروة ابتسمت: "يعني… ما طبختش."

شريف قرب منها بـ صوت واطي محرج: "مروة بلاش الحركة دي دلوقتي."

رفعت الريموت ووطت صوت التلفزيون: "حركة إيه؟ إحنا متفقين إن كل واحد مسؤول عن نفسه مادياً… صح؟"

عايدة اتنفضت: "وإحنا مالنا؟"

مروة بصتلها بـ منتهى الأدب: "حضرتك ضيوف شريف… وشريف مستقل مادياً عني."

وش شريف بدأ يحمر.

حسام ضحك بـ توتر: "طب هنهزر شوية وخلاص… الأكل جاهز فين؟"

مروة قامت بـ هدوء.

كلهم افتكروا إنها أخيرًا هتروح تجيب الأكل.

لكنها دخلت المطبخ… ورجعت شايلة فايل.

وحطته قدام شريف على الترابيزة.

"بما إننا فتحنا موضوع الذمة المالية… فدي فاتورة بسيطة."

شريف فتح الفايل… واتجمد.

جداول.

أرقام.

فواتير.

تفاصيل سنة كاملة.

مصاريف عزومات السبت.

لحمة.

فراخ.

بط.

حلويات.

طلبات خاصة لـ حماته.

هدايا لعيال أخوه.

حتى علب الأكل اللي كانت حماته بتاخدها بيتها متسجلة.

وفي آخر الصفحة…

الإجمالي.

 

تم نسخ الرابط