الديك الرومي

لمحة نيوز

وأنا بطلع صينية الديك الرومي التقيلة من الفرن، ريهام أخت جوزي زقتني جامد من ضهري.
الصينية مالت.
ودلق زيت بيغلي من الحرف وغرق رجليا الاتنين.
لثانية واحدة، الدنيا اسودت وفيش أي صوت في دماغي. لا صوت الأغاني، ولا الضحك اللي طالع من السفرة، ولا رنة الكاسات. مفيش غير صوت تشّة الزيت السخن وهو بياكل في جلدي، وبعدها صرختي اللي هزت المطبخ كله زي إنذار حريق مفيش حد عايز يسمعه.
وقعت على السيراميك. والصينية اتمطرت جنبي على الأرض. ريهام كانت واقفة فوقيا ببلوزتها الحمراء، وهي بتتنفس بسرعة، وعينيها بتلمع بحاجة غريبة... حاجة مكنتش خوف خالص.
حاولت أزحف بعيد عن الزيت اللي كان بيفرش في الأرض.
وطت عليا لغاية ما شعرها لمس خدي.
وهمست في ودني ده تمن إنك خطفتي أخويا من العيلة دي... المرة الجاية، الزيت ده هيبقى في وشك.
إيديا كانت بترتعش لدرجة إني مكنتش قادرة أتسحب لحد الباب. صرخت بأعلى صوتي الحقوني! حد يلحقني!
في الصالة بره، طنط ميرفت، أم جوزي، كانت لسه عمالة تضحك على نكتة قالها عمو رأفت. صوت ضحك عالي، وحد بيفتح قزازة حاجة ساقعة، وحد تاني بيزعق للكلب عشان ينزل من على الكنبة. كانوا سامعيني... أنا متأكدة إنهم سامعيني.
وفجأة طنط ميرفت ظهرت عند باب المطبخ وفي إيدها كاس عصير. بصت للديك الرومي اللي باظ، وبعدين لرجليا، وفي الآخر لريهام.
وقالت عملتي إيه تاني يا علا؟
الخمس كلمات دول وجعوني أكتر من نار الزيت نفسه.
ريهام عدلت وقفتها في ثانية وقالت دي اتزحلقت يا ماما، وأنا كنت بحاول ألحقها.
بحلقت فيها وأنا مش مصدقة. رجلي كانت بتولع نار، ونفسي كان طالع داخل بصعوبة ووجع. وقلت دي زقتني!
محدش اتمكّن من مكانه.
في اللحظة دي، جوزي محمود دخل من البلكونة وهو بينشف إيده بفوطة، وقال في إيه؟ إيه اللي حصل؟
ريهام

قعدت تعيط وتصوّت قبل ما أنا حتى أنطق بحرف.
وقالت وهي بتشهق بتتبلى عليا! في يوم زي ده! بعد كل اللي عملته في العيلة دي وبرضو مش عاجبها!
طنط ميرفت خدت بنتها وبصتلي وكأني حتة زبالة رميتها على سجادتها البيضا النضيفة.
سحبت نفسي على الأرض، وكل سنتي بتحركه كان بيبعث نار جهنم في رجليا، لغاية ما صوابعي لمست تليفوني اللي كان واقع تحت حرف رخامة المطبخ.
ريهام لمحت التليفون.
عياطها وقف فجأة.
وقالتلي بصوت واطي وفيه تهديد علا... بلاش غباء.
فتحت قفل الشاشة بصباعي اللي كان بيرتعد. مكلمتش الإسعاف... ولا كلمت محمود... ولا حتى اتصلت بأمي.
أنا فتحت الأبلكيشن اللي ريهام نسيت تماماً إني ثبتّه من أسبوعين.
كاميرا المطبخ حملت وفتحت...
واللمبة الحمراء بتاعة التسجيل كانت لسه منورة وبتنور وتطفي.
بس اللي ريهام مكنتش تعرفه، إن الزقة دي مكنتش الحاجة الوحيدة اللي لقطتها الكاميرا. كان فيه فيديو تاني اتسيف قبل العشا... فيديو لو شافوه، هيخلي وش كل واحد في البيت ده يقلب أبيض زي الأموات. بقية القصة تحت إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح التسجيل.
المطبخ سكت فجأة حتى صوت المروحة اللي فوق البوتاجاز حسّيته اختفى.
ريهام اتجمدت مكانها أول ما شافت شاشة التليفون.
ومحمود قرب مني بسرعة وقال إيه ده؟
رفعت التليفون ناحيته وضغطت تشغيل.
ظهر الفيديو الأول.
الصورة مهزوزة شوية من زاوية الكاميرا الصغيرة فوق التلاجة، بس كل حاجة كانت واضحة واضحة زيادة عن اللزوم.
ريهام وهي داخلة المطبخ قبلها بدقيقة. واقفة ورايا. بتبص على الصينية. وبعدين بتزقني بإيديها الاتنين بكل قوتها.
الصمت وقع على البيت كله.
طنط ميرفت شهقت وحطت إيدها على بقها. وعمو رأفت قام واقف مرة واحدة.
أما محمود وشه اتسحب كأن حد سحب الدم منه.
ريهام بصت حواليها بعينين زايغة
وقالت بسرعة لا! دي الكاميرا باين عليها زاويتها خادعة! أنا كنت بهزر معاها!
بس الفيديو كان أوضح من أي كدبة.
صوتي طلع بالعافية ده الهزار اللي كنتِ هتحرقيني بيه؟
محمود لف ناحيتها ببطء وقال إنتِ مجنونة؟
لكن قبل ما حد ينطق تاني أنا فتحت الفيديو التاني.
وهنا ريهام فعلاً ابيضّ وشها.
الفيديو كان متسجل قبل العشا بربع ساعة.
ريهام داخلة المطبخ ومعاها طنط ميرفت. وكانوا فاكرين إن محدش سامعهم.
صوت حماتي طلع واضح لازم علا تبطل تتحكم في محمود الولد اتغير من يوم ما اتجوزها.
ريهام ضحكت وقالت سيبيها عليا. ليلة النهارده هتعرف مقامها.
وبعدين قربت من الفرن وفتحت درج تحت الرخامة.
طلعت منه علبة صغيرة.
قلبي وقف وأنا بشوفها تفتحها وتحط منها حاجة جوه صوص الديك الرومي.
محمود قرب للشاشة وهو مش مستوعب.
قلت وأنا نفسي بيتقطع أنا شوفتها قبلها وهي بتستخبى عشان كده ركبت الكاميرا.
طنط ميرفت بدأت تتلخبط ده ده ملح! كانت بتحط ملح!
لكن ريهام صرخت فجأة اسكتي يا ماما!
الصوت خلى الكل يبصلها.
ريهام بدأت ترجع لورا خطوة خطوة وشفايفها بترتعش.
وقالت أنا أنا مكنتش هأذيها
عمو رأفت خطف العلبة من على الرخامة وفتحها.
وساعتها ملامحه اتغيرت.
قال بصوت مخنوق ده منوّم.
محمود بص لأخته كأنه أول مرة يشوفها.
إنتِ كنتِ ناوية تعمليلها إيه؟
ريهام انفجرت في العياط أنا كنت عايزة أخوفها بس! كل حاجة بقت باسمها! البيت، العربية، حتى محمود مبقاش يقعد معانا!
طنط ميرفت بصتلها بصدمة حقيقية المرة دي. واضح إنها كانت فاكرة الموضوع مجرد غيرة وكلام.
لكن ريهام كانت اتخطت كل الحدود.
وفجأة رجليا خانتني.
الوجع ضرب جسمي كله مرة واحدة، ونفسي اتقطع، والدنيا بدأت تسود قدامي.
آخر حاجة شوفتها قبل ما أغمى عليا كانت محمود وهو بيزعق لأول مرة في حياته على
أخته
اتصلي بالإسعاف حالًا!
فتحت عيني بعدها بساعات في المستشفى.
رجليا متلففة بالشاش. والريحة المعقمة مالية الأوضة.
محمود كان قاعد جنبي، وشعره مبهدل وعينيه حمرا من السهر.
أول ما فتحت عيني، قال بصوت مبحوح حقك عليا.
بصيتله من غير كلام.
فكمّل أنا طول عمري بسكت عشان البيت يفضل هادي ومخدتش بالي إن سكوتي كان بيكسرك إنتِ.
سكت شوية وبعدين مدلي تليفونه.
على الشاشة كان فيه محضر رسمي. وتحته اسم ريهام.
قال هي اتحولت للتحقيق وأنا نقلتكم من البيت كله.
حسيت دموعي بتنزل ببطء.
مش بسبب الحرق.
ولا بسبب الوجع.
لكن عشان أول مرة حد في البيت ده اختار يصدقني قبل ما يطلب مني أسامح محمود فضل باصص للتليفون كأنه ماسك قنبلة.
الرنة كانت عالية بشكل مرعب وسط الصمت.
مرة اتنين تلاتة
وفي الآخر رد.
حط السماعة على الاسبيكر من غير ما يبصلي.
وصوت ريهام طلع هادي بشكل أخوف من الصريخ إنتوا عرفتوا، صح؟
محمود بلع ريقه إنتِ فين؟
ضحكت ضحكة قصيرة باردة. مش مهم أنا فين المهم إنك أخيرًا بطلت تبص لأمك كإنها ملاك.
طنط ميرفت كانت قاعدة على الكرسي من ساعة ما الست مشيت، وشكلها منهار. أول ما سمعت صوت بنتها، قامت جري على التليفون ريهام! اسمعيني يا بنتي، اقفلي وماتعمليش مصايب!
لكن ريهام تجاهلتها.
وقالت فاكر يا محمود يوم بابا مات؟
إيد محمود شدت على التليفون.
إنتِ عملتي إيه؟
ثانية صمت عدت وبعدين قالت ماكنتش أقصد يموت.
حسيت الهوا اتسحب من الأوضة كلها.
طنط ميرفت شهقت ووقعت على الكنبة وهي بتعيط اسكتي! اسكتي بالله عليكي!
لكن ريهام كملت، وصوتها بدأ يهتز هو اللي زقني الأول وقال إنه هيوديني إصلاحية وأنا خفت.
محمود كان واقف كأن جسمه اتشل.
إنتِ قتلتي بابا؟
العربية كانت واقفة على المنحدر وأنا بس فكيت الفرامل كنت فاكرة إنه هيلحق ينزل.

أنا حسيت جسمي تلج.
ومحمود غمّض عينيه بعنف.
ريهام بدأت تعيط هستيري ماما قالتلي محدش لازم يعرف! قالتلي
 

تم نسخ الرابط