الديك الرومي

لمحة نيوز


الظرف وقال دي رسالة من ريهام.
قلبي دق بعنف.
فتحتها بإيد مترددة.
وكان جواها ورقة واحدة بس، مكتوبة بخط مهزوز
علا
عارفة إن مفيش اعتذار يكفي. وعارفة إنك ممكن تكرهيني طول عمرك، ومن حقك.
بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
يوم الزيت أنا فعلًا كنت ناوية أخوفك، مش أحرقك.
ولما النار لمست رجلك، أنا اتجمدت. للحظة شفت نفسي الصغيرة وشفت الستارة وهي بتولع، وشفت باب الأوضة وهو مقفول عليا.
أنا كنت بغرق جوا دماغي، ومحدش لاحظ.
الدكتور هنا قال إن عندي اضطراب صدمات قديم واتساب سنين من غير علاج.
مش بكتب ده عشان تبرريلي. ولا عشان تسامحيني.
أنا بكتب عشان لو في يوم خلفتوا بنت ولقيتوها خايفة، أو عنيفة، أو بتكذب، أو بتصرخ زيادة عن اللزوم
اسألوها مين وجعها قبل ما تسألوها عملت إيه.
ريهام.
خلصت قراية ولقيت دموعي نازلة في صمت.
محمود كان واقف بعيد، مستني أقول أي حاجة.
لكن ماعرفتش.
لأن الحقيقة كانت أتقل من الكره.
بعدها بأسابيع، محمود أخدني لمكان بعيد عن الزحمة، بيت صغير على البحر، وقاللي عايز أبدأ من جديد لو لسه ينفع.
بصيتله طويل.
ثم قلت ينفع بس بشرط.
ابتسم لأول مرة من شهور إيه؟
قلت مفيش سكوت على الغلط بعد النهارده. مهما كان مين.
هز راسه ببطء. والمرادي صدقته.
أما ريهام
فات سنة كاملة قبل ما أشوفها تاني.
كانت في جلسة علاج جماعي بإحدى المراكز، وأنا رحت هناك بالصدفة مع حملة دعم للناجيات من العنف.
أول ما شافتني، قامت واقفة بتوتر.
لكنها ماقربتش.
كانت أهدى بكتير. وشها خف فيه الغضب لأول مرة.
قالتلي بهدوء رجلك عاملة إيه دلوقتي؟
بصيتلها ثواني ثم قلت أحسن.
هزت راسها وكأنها ارتاحت.
وقبل ما أمشي، قالت أنا لسه بحاول أتعلم أبقى إنسانة طبيعية.
رديت عليها بهدوء كلنا بنحاول.
وسبتها قاعدة وسط الناس مش كوحش. ولا

كضحية كاملة.
بس إنسانة أخيرًا بدأت تواجه الحقيقة بدل ما تهرب منها عدى الوقت بهدوء غريب.
مش هدوء مثالي لكن هدوء مبني على حذر. زي بيت اتصلّح فيه حيطان متكسرة ولسه فيه شروخ صغيرة بتبان مع كل زلزال بسيط.
محمود بقى مختلف تمامًا. مش لأنه بقى مثالي، لكن لأنه بقى شايف. بقى يلاحظ أي توتر قبل ما يكبر، وأي كلمة قبل ما تتحول لخناقة. وده في حد ذاته كان تغيير مرهق أكتر مما هو مريح.
أنا كمان اتغيرت مش في جسمي بس، لكن في طريقتي في الثقة.
بقيت أسمع قبل ما أصدق.
وأبص قبل ما أحكم.
في يوم من الأيام، جالي اتصال من رقم مجهول.
صوت أنثوي هادي قال أنا من المركز ريهام عايزة تشوفك.
قفلت التليفون من غير رد.
وبعدها بساعتين، رجع نفس الرقم يرن تاني.
نفس الصوت مش هتطلب منك حاجة بس قالتلي تقابلك مرة واحدة. وقالت مهم.
سكت شوية وبعدين أغلقت.
لكن طول الليل، ماعرفتش أنام.
مش عشان خايفة منها.
لكن عشان جزء مني كان عايز يفهم إيه اللي لسه ناقص في الحكاية.
بعد يومين، لقيت نفسي واقفة قدام المركز.
محمود كان معايا، لكنه وقف بره.
قال هستناكي هنا. أي حاجة مش مريحة اطلعي فورًا.
هزيت راسي ودخلت.
المكان كان بسيط أبيض وهادئ، وفيه أصوات ناس بتحاول تتكلم من غير ما تنهار.
وأول ما دخلت القاعة
شوفتها.
ريهام.
كانت قاعدة على كرسي في آخر الصف، ماسكة كوب شاي، وبتبص للأرض.
مش نفس البنت اللي كانت بتصرخ، ولا اللي كانت بتهدد.
كانت أهدى من كده بكتير لكن في عينيها تعب عميق، تعب اللي صحى متأخر على نفسه.
أول ما شافتني، قامت بهدوء.
مفيش خوف، مفيش تحدي.
بس احترام صامت.
قربت منها.
وقعدنا قدام بعض من غير كلام ثواني طويلة.
هي بدأت أنا
ماطلبتش أشوفك عشان أبرر حاجة.
هزيت راسي بهدوء عارفة.
بلعت ريقها أنا بس كنت محتاجة أقفل الباب
اللي مفتوح جوايا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت كل اللي حصل خلاكِ ضحية مني، بس أنا كنت ضحية قبل ما أبقى مؤذية.
أنا بصيت لها من غير ما أرد.
لأول مرة ما كنتش شايفة فيها خطر.
كنت شايفة إنسان بيتعلم يتكلم من غير صراخ.
قلت بهدوء أنا مش جاية أفتح الجروح.
رفعت عينيها بسرعة ولا حتى تسامحيني؟
سكت.
لأن السؤال ده ملوش إجابة سهلة.
وبعدين قلت أنا مش هقدر أنسى.
انخفضت عينيها.
كملت بس أقدر أختار إني ما أعيشش جوا اللي حصل طول عمري.
سكتت.
وبعدين دموعها نزلت بهدوء، من غير انهيار.
وقالت ده كفاية عندي.
لما خرجت، لقيت محمود واقف مستني.
سألني من غير ما يبص قابلتيها؟
هزيت راسي.
مشيت شوية، وبعدين قلت هي مش وحش هي حد اتكسر قبل ما يعرف يمسك نفسه.
محمود ما ردش.
بس بعد ثواني قال وأنتِ؟ بقيتي أحسن؟
وقفت لحظة.
وبصيت للشارع اللي قدامنا، للناس اللي ماشية عادي، للحياة اللي مكملة كأن مفيش حاجة حصلت.
وقلت أنا بقيت أصدق إني ممكن أكمّل حتى لو مش كاملة.
مسك إيدي بهدوء.
ومشينا.
مش كأن كل حاجة اتصلحت.
لكن كأن أول مرة البيت الداخلي لكل واحد فينا بدأ يقف على رجليه تاني مرت شهور بعدها من غير أي صوت عالي.
لا مكالمات مفاجئة ولا زيارات غير متوقعة ولا أبواب بتتفتح على وجع قديم.
بس الحياة، زي ما بتعرف تهدى بتعرف كمان تختبر الهدوء ده.
في يوم شتوي، السماء كانت رمادية تقيلة، ومطر خفيف بينزل كأنه بيغسل الشوارع من أي ذكرى قديمة.
محمود كان في الشغل، وأنا قاعدة في البيت لوحدي.
لحد ما جالي رسالة على التليفون.
رقم غريب.
محتوى الرسالة كان سطر واحد بس
ما تروحيش المركز النهارده.
قفلت الشاشة بسرعة.
وبصيت حواليا في الشقة.
الهدوء كان مختلف.
مش مريح متوتر.
بعد دقايق، الرسالة جت تاني
أنا مش بهزر. في حاجة هتحصل هناك.
قمت من مكاني.

إيدي كانت بترتعش، لكن مش من الخوف من الإحساس الغريب إن في حاجة بتتحرك في الخلفية من غير ما أشوفها.
اتصلت بمحمود، لكن تليفونه كان مقفول.
وده ماحصلش قبل كده.
قررت أروح المركز.
بس أول ما خرجت من العمارة وقفت مكاني.
عربية شرطة كانت واقفة قدام البوابة.
وقلبت الدنيا في ثانية.
جريت ناحية هناك، لكن قبل ما أوصل، لقيت واحد من الأمن خارج بسرعة، ووشه مرعوب.
قلتله في إيه؟
بصلي وقال في واحدة من النزلاء حاولت تهرب من شوية. وفي حريق صغير في المخزن.
سكتت لحظة.
وبعدين قلبي وقع.
اسمها إيه؟
تردد ثواني.
وبعدين قال ريهام.
الدنيا سكتت.
مش سكتت حواليا سكتت جوايا.
لما وصلت للمكان، كان فيه دخان خفيف لسه في الهوا.
الناس بتجري، وأصوات تعليمات، وضباط بيحاولوا يسيطروا على الوضع.
ومحمود كان هناك.
واقف في نص الفوضى.
وبيزعق فينها؟ فين أختي؟!
قربت منه.
أول ما شافني، مسك دراعي بقوة مش موجودة هربت.
بلعت ريقي هربت؟!
هز راسه الرسالة اللي وصلتك دي كانت محاولة تشتيت.
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي في حاجة مش مفهومة حد ساعدها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وبصيت ناحية المبنى المحترق جزئيًا.
وحسّيت لأول مرة من زمان
إن القصة اللي افتكرنا إنها خلصت لسه فيها صفحة مستخبية.
بعد ساعتين، اتفتح تحقيق رسمي.
ومحاضر اتكتبت.
وشهادات اتجمعت.
لكن أهم جملة سمعتها في آخر اليوم كانت من ضابط كبير وهو بيقول لمحمود
اللي حصل مش هروب عشوائي دي كانت خطة من جوه المركز.
محمود بصلي.
وأنا بصيت له.
وكل واحد فينا فهم نفس الفكرة في نفس اللحظة
ريهام ماكنتش لوحدها.
وفيه حد تاني لسه بيحرك الخيوط من غير ما يبان الخطوات كانت بتقرب بهدوء مخيف كأن صاحبها عارف إن كل اللي في السطح مش هيهرب.
الكل اتلفت ناحية الباب الخلفي.
الضابط مسك سلاحه بحذر، ومحمود
شدني وراه خطوة.
ريهام ما اتحركتش.
بس عينيها اتغيرت بقت مركزة بشكل مرعب، كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
الباب اتفتح.
وطلع شخص واحد بس.
مفيش صدمة في ملامحه
 

تم نسخ الرابط