حبست زوجتي داخل المخزن
مستحيل
جاء الصوت مرة أخرى من آخر الممر
حيدر لا تخطو خطوة ثانية إذا جئت حتى تؤذيها.
شعرت أن جسدي كله فقد قوته.
كان ذلك صوت أبي.
رعد.
الرجل الذي كانت أمي تحتفظ بصورته مقلوبة منذ ثلاثين سنة.
الرجل الذي لم تكن تذكره إلا وهي تقول
مات لأنه ما عرف يتحمل المسؤولية.
الرجل الذي كنت آخذ له الورود كل سنة إلى قبر بلا اسم في مقبرة بغداد القديمة، لأن أمي أقسمت لي أنه لم يبقَ منه شيء.
لكن صوته كان هناك.
أكبر سنًا.
أخشن.
حيًّا.
أبعدت بعض الكراتين وتحركت داخل الممر الضيق.
الجدران كانت رطبة ومبنية من حجر قديم، مثل الممرات السرية التي يتحدث عنها الناس همسًا في بيوت بغداد العتيقة، تلك التي كانت تربط بين البيوت الكبيرة والمخازن والغرف التي تخبئ أسرار العائلات.
أمسكت أمي بذراعي.
لا تدخل يا ابني.
ولأول مرة في حياتي، لم تبدُ يدها حنونة.
بدت مثل مخلب.
نزعت ذراعي منها.
اتركيني.
حيدر رجاءً. هذا الرجل دمّرنا.
أنا سمعت صوته.
بدأت تبكي.
لكن دموعها هذه المرة جاءت متأخرة.
أفلتُّ نفسي منها وأكملت السير.
في آخر الممر كان هناك باب خشبي منتفخ من الرطوبة.
موارب قليلًا.
وعلى الجهة الأخرى كانت سارة جالسة على الأرض، ملفوفة ببطانية قديمة، ووجهها أبيض كالشبح، ويدها تضغط بقوة على بطنها.
وبجانبها كان أبي.
نحيف.
شعره رمادي.
ظهره منحني.
لكن بعينيّ
لثوانٍ لم يتكلم أحد.
نظرت إلى سارة.
ثم إليه.
ثم عدت أنظر إليها.
شفاهها كانت جافة، وعلى ذراعيها آثار حمراء في المكان الذي أمسكتها فيه الليلة الماضية.
وكان ذلك أول دليل حقيقي ضدي.
ليس فحص الحمل.
ولا الممر السري.
ذراعاها.
همست
سارة
لم تتحرك.
رفع أبي يده قليلًا، وكأنه ما يزال يملك الحق في إيقافي.
لا تقترب إذا كنت معها.
معها.
لم يقل مع أمك.
قال معها.
والكلمة جرحتني أكثر مما توقعت.
قلت بصوت متردد
أبي
خرجت الكلمة مني وكأنني أتعلم الكلام لأول مرة.
أغلق عينيه.
وانهار وجهه.
ظننت أنني لن أسمعك تناديني هكذا مرة ثانية.
ظهرت أمي خلفي وهي تتنفس بغضب.
يا لها من مسرحية جميلة مختبئ ثلاثين سنة، والآن رجعت حتى تسمّم ابني.
وقف أبي بصعوبة.
لم أرجع من أجله رجعت من أجل سارة. هي اتصلت بي ليلة أمس.
نظرت إلى سارة.
خفضت عينيها.
لم أتصل بك لأنني كنت أعرف أنك لن تصدقني.
أردت أن أقول لها إنني كنت سأصدقها.
إنني كنت سأركض إليها.
لكن الكذبة ماتت قبل أن تولد.
في الليلة الماضية توسلت إليّ
مو اليوم.
وأنا أغلقت الباب.
قلت لأبي
كيف تعرفها؟
أخرج من جيبه سوار مستشفى قديمًا مصفرّ اللون، يحتفظ به كأنه أثر.
كان مكتوبًا عليه
حيدر رعد السامرائي.
قال
سارة وجدَتني قبل ثلاثة أشهر. كانت تبحث عن إجابات تخص أمك.
أطلقت أمي ضحكة جافة.
كانت تبحث
رفعت سارة وجهها.
كانت تبكي، لكن بلا خوف.
كنت أبحث عن سبب يجعلني أفهم لماذا كل مرة أضع فيها حدودًا، تجعلين الجميع يظنون أنني مجنونة.
أشارت أمي إليها بغضب.
لأنك فعلًا مجنونة!
قالت سارة بهدوء
لا لأنك تفعلين هذا مع الجميع منذ سنوات.
بردت الغرفة فجأة.
اقترب أبي من صندوق مغلق بشريط أصفر قديم.
فتحه.
في الداخل كانت هناك رسائل، وصور، ووثائق، وأظرف بريد قديمة، ودفتر أسود مغطى بالجلد.
قال
أمك قالت لك إنني متّ. لكنني لم أمت هي محتني من حياتك.
شعرت بشيء ينكسر داخل صدري.
قالت إنك تعرضت لحادث.
خرجت من البيت ليلة واحدة بعدما هددتني بأنها ستلفق لي أشياء لم أفعلها إذا حاولت أن آخذك معي. كنت أريد الانفصال. وأريد حضانتك. أمك حبستني هنا من قبل تمامًا كما حبست أنت سارة البارحة.
التفتُّ نحوها.
لم تكن تبكي هذه المرة.
فمها فقط كان مشدودًا بقسوة.
كاذب.
فتح أبي الدفتر.
هذه الرسائل التي أرسلتها لك. كلها رجعت. وبعضها لم يخرج أصلًا من البيت. سارة وجدتها داخل الخزانة العلوية خلف بطانيات الشتاء.
تذكرت تلك الخزانة.
وتذكرت كيف كانت أمي تمنع أي أحد من لمس أغراضها.
وتذكرت سارة حين سألتني مرة لماذا لا توجد صور لأبي داخل البيت.
وقتها قلت لها
لأن أمي تعبت كثيرًا.
كم كان سهلًا أن أكرر ألم شخص آخر دون أن أتأكد
قال أبي بصوت منخفض
بعد فترة لم أعد أبحث عنك. أخوالك هددوني. قالوا إن أمك ستتهمني بضربها، وإنك ستكبر وأنت تزورني في السجن. كان زمنًا مختلفًا. لم يكن عندي مال ولا عائلة قوية ولا قدرة على المواجهة. كان هذا جبني وأنا دفعت ثمنه كل يوم.
تقدمت أمي خطوة.
أنا حميتك يا حيدر! هذا الرجل كان سيتركنا!
قالت سارة
لا أنتِ لم تحمي أحدًا. كنتِ وحيدة، وأردتِ حيدر أن يبقى وحيدًا مثلك.
نظرت إليها أمي بكراهية خالصة.
اخرسي.
حاولت سارة الوقوف، لكنها انحنت من الألم فورًا.
ركضت نحوها.
دفع أبي يده على صدري.
انتبه.
الكلمة أهانتني أكثر من أي صفعة.
انتبه.
لم أعد أعرف كيف ألمس زوجتي دون أن يخاف الناس منها عليّ.
جلست أمام سارة.
يؤلمك؟
تنفست بسرعة.
نعم.
الطفل؟
لم تجب.
نظرت إليّ بالطريقة التي يُنظر بها إلى غريب كان ينام يومًا في السرير نفسه.
وفجأة تذكرت فحص الحمل.
واسم عائلتي المكتوب خلفه.
عدت إلى المخزن والتقطته بيدي المرتجفتين.
وعلى الجهة الخلفية، بالحبر الأزرق، كانت سارة قد كتبت
السامرائي. سبعة أسابيع. أتمنى ألا يكبر وهو يتعلم طاعة دموع أم حيدر.
اختفى نفسي.
حاولت أمي أن تنتزعه مني.
هذا فخ.
أبعدتها.
لا تلمسيه.
نظرت إليّ أمي وكأنني بصقت في وجهها.
هكذا تحكي معي؟
قلت بصوت صغير لكنه واضح
نعم.
لفّ أبي البطانية حول سارة
قال
لازم نأخذها للمستشفى.
قالت أمي فورًا
لا. أولًا سنتحدث كعائلة.
نظرت إليها.
ولأول مرة رأيت كل شيء بوضوح.
الشوربة