حبست زوجتي داخل المخزن
الباردة.
اللحم الذي أُعيد تسخينه.
الدموع المحسوبة.
كل مرة صمتت فيها سارة حتى لا تستفز أمي.
كل مرة قلت لها
تحملي هذه طبعها.
كل مرة خلطت فيها بين الاحترام والخضوع.
قلت
عائلتي تنزف ابتعدي.
وقفت أمي مكانها بلا حركة.
إذا خرجت معها من هذا الباب لا ترجع.
حملت سارة بين ذراعي.
كانت خفيفة جدًا.
أخف مما يجب.
قلت
إذًا لن أرجع.
خرجنا عبر الممر إلى المخزن.
ضوء الصباح كان يدخل من النافذة الصغيرة.
كل شيء بدا كما هو.
لكنني لم أعد الرجل نفسه الذي أغلق الباب بالمفتاح الليلة الماضية.
في الصالة كانت رائحة القرفة والشاي البارد والكذب تملأ البيت.
على الطاولة كان كوب الشاي الذي أعطتني إياه أمي منتصف الليل.
رفعه أبي وشمّه.
ثم نظر إليها.
مرة أخرى.
شحبت.
لا تبدأ.
سألتها
ماذا وضعتِ فيه؟
رفعت رأسها بعناد.
مهدئ. كنت متوترًا.
شعرت بالغثيان.
ليس بسبب الشاي.
بسببي أنا.
لأنني لم أحتج أصلًا إلى دواء حتى أتحول إلى شريك لها.
كان يكفي أن تبكي فأطيعها.
ذهبنا إلى المستشفى.
ولا أتذكر الطريق كاملًا.
أتذكر شوارع بغداد وهي تستيقظ.
المخابز التي بدأت تفتح.
رائحة السمسم والخبز الحار.
أصوات السيارات.
وأصابع سارة وهي تمسك قميصي كلما ضربها الألم.
كنت أكرر طوال الطريق
سامحيني.
لكنها لم ترد.
في قسم الطوارئ أخذوها مني فورًا.
وبقيت واقفًا ويداي فارغتين.
كان هناك دم قليل على أصابعي.
قليل جدًا.
لكنه كان كافيًا حتى أشعر أن العالم
جلس أبي بجانبي.
لفترة طويلة لم يتكلم.
ولا أنا.
ثم قال بهدوء
أنت لست مذنبًا بما فعلته أمك معي.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
لكنني مذنب بما فعلته مع سارة.
قال مباشرة
نعم.
وكنت ممتنًا لأنه لم يحاول أن يريحني.
كنت بحاجة للحقيقة.
بعد نصف ساعة خرج الطبيب.
وضعها مستقر. هناك خطر على الحمل، لكنه ما يزال مستمرًا. تحتاج راحة وهدوءًا وابتعادًا كاملًا عن التوتر.
ابتعاد كامل عن التوتر.
كدت أضحك.
وكأن بيتي لم يكن مصنعًا للخوف.
سألته
أستطيع رؤيتها؟
نظر إليّ بحدة.
طلبت أن ترى الأستاذ رعد أولًا.
وقف أبي.
وأنا لم أعترض.
بقيت جالسًا.
أتعلم كيف يبدو الشعور عندما لا يتم اختيارك.
مرّت عشرون دقيقة.
ثم خرج أبي وقال
تريد التحدث معك.
دخلت إليها.
كانت مستلقية على السرير، موصولة بالمحاليل، وشعرها ملتصق بوجهها، وعيناها مرهقتين.
وعندما رأيتها بهذا الشكل فهمت أن طلب السماح منها يبدو شيئًا صغيرًا جدًا وقريبًا من الإهانة.
ومع ذلك قلته
سامحيني.
نظرت نحو النافذة.
لا أعرف إن كنت أستطيع.
هززت رأسي.
أعرف.
قالت بهدوء
ليست ليلة البارحة فقط يا حيدر. البارحة كانت الباب لكنك منذ سنوات تغلقني خارج حياتك كل مرة تختار فيها أمك.
جلست بعيدًا عنها حتى لا أشعرها أنني أقتحم مساحتها.
قلت
سأبلغ عمّا حدث.
التفتت نحوي.
ضد أمك؟
ضدها وضدي أيضًا. أنا حبستك.
امتلأت عيناها بالدموع.
تقول هذا لأنك خائف أن تخسرني؟
قلت بصراحة
نعم ولأنني
أغلقت عينيها للحظة.
لن أرجع لذلك البيت.
لن أطلب منك هذا.
وطفلي لن يكبر داخل بيت تحكمه دموع الجدة ويطيع فيه الأب بالصراخ.
الجملة اخترقتني.
أردت أن أقول
طفلنا.
لكنني سكت.
لم أكن أستحق الكلمة بعد.
فتحت عينيها من جديد.
أحتاج وقتًا.
سأعطيك.
وأحتاج مسافة.
أيضًا.
ثم قالت وهي تنظر إليّ مباشرة
وأريدك أن تفهم شيئًا يا حيدر إذا بقيت حية، وإذا عاش هذا الطفل، فلن يكون ذلك بسبب ندمك. سيكون لأنني وجدت مخرجًا في المكان الذي وضعت فيه أنت المفتاح.
لم أستطع النظر في عينيها.
قلت فقط
نعم.
ذلك العصر ذهبت إلى مركز الشرطة.
وصلت أمي قبل أن أنهي إفادتي.
دخلت غاضبة بعباءتها السوداء ووجهها الذي حفظ دور الضحية طوال عمره.
حاولت أن تحتضنني.
لكنني ابتعدت.
قالت بصوت منخفض
قل لهم إنه سوء فهم.
نظرت إليها.
كان الأمر مرعبًا.
حتى الآن ما تزال تعتقد أنني امتداد لإرادتها.
قلت
لا.
تغير وجهها.
أنا أمك.
وسارة زوجتي.
الزوجات يأتين ويذهبن.
قلت دون تفكير
ولهذا انتهيتِ وحدك.
صفعتني.
أمام الجميع.
صفعة مليئة بثلاثين سنة من السيطرة.
لم أرفع يدي.
قلت فقط
وهذه أيضًا أضيفوها للإفادة.
بدأت أمي تبكي.
لكن هذه المرة لم يقترب أحد ليواسيها.
وكان ذلك أول عقاب حقيقي لها.
ليس الشرطة.
ولا الفضيحة.
بل الصمت.
صمت الغرفة التي لم تعد دموعها تحكمها.
الأسابيع التالية كانت انهيارًا كاملًا.
أبي استعاد أوراق البيت وأثبت أن جزءًا
واتضح أن أمي كانت تعيش طوال السنوات فوق عرش ليس لها بالكامل.
الجيران الذين كانوا يقولون دائمًا
أم حيدر مسكينة وتعبانة بالحياة
بدأوا يخفضون أصواتهم عندما تمر.
أما أنا فلم أنم في البيت مرة أخرى.
استأجرت غرفة صغيرة قرب الكرادة.
نافذتها تطل على جدار أزرق متقشر.
وفي أول ليلة لم أستطع النوم.
كلما سمعت بابًا يُغلق، تخيلت سارة داخل المخزن وهي تقول
رجاءً مو اليوم.
ذهبت إلى العلاج النفسي لأن سارة طلبت ذلك قبل أي حديث مستقبلي بيننا.
وسجلت في جلسات للتحكم بالغضب بإرادتي.
ووقعت ورقة أتعهد فيها ألا أقترب منها دون موافقتها.
أمي اتصلت يوميًا.
لم أرد.
ثم بدأت ترسل تسجيلات صوتية.
في البداية كانت تبكي.
ثم تشتم.
ثم تتوسل.
في إحدى الرسائل قالت
أنا صنعت منك رجلًا.
حذفت الرسالة فورًا.
وفكرت
لا أنتِ صنعتِ مني شخصًا مطيعًا.
بدأت ألتقي بأبي أيام الجمعة.
لم تكن العلاقة سهلة.
لم تكن هناك أحضان مفاجئة أو لحظات تعويض سينمائية.
كان بيننا عمر كامل ضائع.
لكنه بدأ يخبرني بأشياء صغيرة.
أنني وأنا طفل كنت أنام ويدي مقبوضة.
وأنني كنت أعض الملاعق الخشبية.
وأن البطانية المطرزة باسمي طلبها من سوق قديم قبل ولادتي بشهرين.
وفي يوم سألته
لماذا لا تكرهني؟
فكر قليلًا ثم قال
لأن كرهك كان سيكمل شغل أمك.
ولم أعرف ماذا أقول بعدها.
سارة انتقلت للعيش عند خالتها في المنصور.
ولعدة أشهر لم يصلني منها إلا
الطفل بخير.
عندي موعد الخميس.
لا تأتِ.
وكنت أطيع.
ولأول مرة في حياتي، لم أشعر أن طاعة امرأة تنتقص مني.
شعرت أنها تعيد لي إنسانيتي.
عندما دخلت شهرها الخامس، سمحت لي أن أرافقها