ابني طلعني من جروب العيلة
أول واحد نزل من العربية كان سعيد.
قفل الباب بعنف، وبص ناحية السلسلة اللي على البوابة كأنه مش مستوعب اللي شايفه.
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة وقال
إيه ده يا جماعة؟ أمي شكلها بتعمل فيلم جديد.
مراته نزلت وراه وهي شايلة شنطة الأكل، وبصّتلي باستغراب
هو المفتاح فين؟
ما رديتش.
كنت قاعدة على الكرسي الخشب بهدوء، وعم رمضان جنبي ساكت، والدفتر البني فوق رجلي.
بعدها بدأت باقي العربيات توصل.
دوشة، عيال بتجري، ناس شايلة أكياس وفحم ولحمة، وكلهم داخلين بنفس الثقة القديمة ثقة إن المكان مكانهم.
لكن أول ما شافوا البوابة مقفولة، الوجوه بدأت تتغير.
بنتي سمية قربت من السور وقالت
ماما؟ إيه اللي حاصل؟
رديت بهدوء
اللي حاصل إنكم جيتوا من غير ما حد يعزمني.
سكتوا ثواني، وبعدها سعيد قال بضيق
يعني هنعمل مشكلة عشان جروب واتساب؟
بصيتله شوية.
الموضوع عمره ما كان الجروب يا سعيد.
مرات ابني نفخت بضيق
طب افتحي دلوقتي، العيال تعبانة من الطريق.
لكن لأول مرة من سنين
ما اتحركتش عشان أريح حد.
قلت بهدوء
الضيعة مقفولة.
الجو اتشد فجأة.
واحد من أحفادي قال باستغراب
تيتا، إحنا مش هندخل؟
قلبي وجعني من صوته
لكنّي ابتسمتله بحنان وقلت
مش النهارده يا حبيبي.
سعيد قرب أكتر من البوابة وقال بعصبية مكتومة
يعني إيه مش النهارده؟ ده بيتنا.
الجملة دي خلتني أرفع عيني فيه مباشرة.
بيتكم؟
وسكت شوية قبل ما أكمل
غريبة أول مرة أسمع الكلمة دي منكم.
أختُه سمية حاولت تهدي الجو
يا ماما خلاص، لو زعلانة من حاجة نتكلم.
ضحكت بخفة.
دلوقتي افتكرتوا نتكلم؟
السكوت نزل عليهم كلهم.
لأنهم عارفين.
عارفين إن بقالهم سنين ما بيسألوش غير لما يحتاجوا حاجة.
واحد عايز يقضي الويك إند.
واحدة عايزة تاخد زيت وزيتون.
واحد عايز يعمل عيد ميلاد ابنه في الجنينة.
لكن محدش فيهم سأل مرة
إنتِ لوحدك عاملة إيه؟
مرات سعيد قالت بملل
بصي يا طنط، إحنا جايين ننبسط يومين، بلاش دراما.
عم رمضان لف ناحيتها
احترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي مع الست هانم.
اتوترت وسكتت.
أما سعيد، فبدأ يفقد أعصابه فعلًا.
إحنا واقفين برّه زي الغرب؟
رديت بهدوء
وأنا بقالي سنين عايشة جوا بيتي زي الغريبة.
الجملة دي وقفتهم لحظة.
لكن سعيد كان عناده أكبر من إنه يفهم.
مد إيده من بين السور ناحية القصيص اللي جنب الباب
المكان اللي طول عمره بيلاقي فيه المفتاح.
لكن إيده رجعت فاضية.
لأن المرة دي فعلًا
ماكانش فيه مفتاح.
بصلي بعصبية
إنتِ بتعملي كده ليه؟
حطيت إيدي على الدفتر البني فوق رجلي.
وقلت
عشان ده بيتي أنا مش استراحة.
سمية قالت بهدوء
إحنا ولادك يا ماما.
هزيت راسي ببطء.
الولاد ما بيمسحوش أمهم من حياتهم.
أول مرة
ماحدش عرف يرد.
حتى العيال الصغيرة بطلت كلام وجري.
الجو كله بقى تقيل.
والغريب إن ولا واحد فيهم قرب يسألني أنا زعلانة ليه بجد.
كان كل همهم يدخلوا.
وفجأة، سعيد قال بنفاد صبر
خلاص يا أمي، قولي عايزة إيه ونخلص.
الجملة نزلت على قلبي ببرود غريب.
كأنه بيتفاوض مع حد غريب مش أمه.
بصيتله شوية طويلة.
وقلت
عايزة أعرف إمتى آخر مرة جيتولي عشاني أنا؟
سكت.
كلهم سكتوا.
لأن الإجابة ماكانتش موجودة أصلًا.
سمية نزلت عينيها للأرض.
أما سعيد فقال بسرعة
إحنا مشغولين يا أمي، والواحد عنده شغل ومسؤوليات.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
آه نفس الشغل اللي خلاني ماينفعش أبقى في الجروب.
وشه اتغير.
واضح إنه ما توقعش إن الجملة لسه واجعاني بالشكل ده.
لكن الحقيقة؟
ماكانش الجروب.
الجروب كان بس اللحظة اللي كشفت كل حاجة مستخبية من سنين.
وفي اللحظة دي، قمت ببطء من على الكرسي.
كلهم بصّولي.
حتى عم رمضان رفع عينه ناحيتي.
حضنت الدفتر البني بإيدي، وبعدين قلت بهدوء
أبوكم قبل ما يموت ساب حاجة محدش فيكم يعرف عنها أي حاجة.
الوجوه كلها اتشدت فورًا.
سعيد عقد حواجبه
حاجة إيه؟
بصيت ناحية الأرض داخل البيت
ناحية أوضتي بالتحديد.
وقلت
حاجة دفنّاها أنا وهو بإيدينا
وفجأة
كل واحد فيهم نسي البوابة.
ونسي الشوي والفسحة.
لأن الطمع أحيانًا بيصحى أسرع من الحب.
أول ما قلت إن أبوهم ساب حاجة مدفونة محدش يعرف عنها، الوجوه كلها اتغيرت.
في ثانية واحدة
الغضب اختفى.
والفضول صحّي مكانه.
سعيد قرب من البوابة بسرعة
إيه الحاجة دي؟
ما رديتش فورًا.
كنت ببص عليهم بس.
بشوف بعيني الحاجة اللي عمري ما حبيت أشوفها
الناس اللي ما اهتمتش بمشاعري طول السنين، اهتمت فجأة أول ما سمعت كلمة
حاجة مستخبية.
سمية سألت بهدوء متوتر
بابا ساب فلوس؟
ضحكت ضحكة قصيرة متعبة.
حتى السؤال نفسه وجعني.
ولا واحد قال
سابلك إيه يا أمي؟
كل الأسئلة كانت عن الحاجة.
مش عني.
قلت بهدوء
أبوكم كان راجل يخاف من الزمن.
عم رمضان نزل عينه للأرض، كأنه فاهم أنا رايحة لفين بالكلام.
كملت
وكان دايمًا يقول إن الأيام بتتغير والقلوب كمان.
سعيد اتعصب
يا أمي ما تلفيش وتدوري، قولي في إيه تحت الأرض؟
بصيتله مباشرة.
في حاجة أبوكم قال ما تطلعش غير لما أعرف إذا كان ولادي لسه ولادي فعلًا ولا بقوا مجرد ناس جاية تاخد.
السكوت نزل عليهم كلهم.
مرات سعيد قالت بسرعة
إحنا مش طمعانين في حاجة!
لكن حتى هي نفسها ماكنتش مقتنعة بصوتها.
لأن من ساعة ما اتكلمت
ولا واحد سألني إذا كنت تعبانة.
ولا واحد قال
تعالي ندخل نقعد معاكي.
كل اللي شاغلهم يعرفوا السر.
واحد من أحفادي الصغيرين شد هدوم أمه وقال
ماما إحنا هنفضل واقفين؟
سمية بصتلي برجاء
يا ماما دخّلينا، واللي عايزة تقوليه قوليه جوه.
لكنّي هزيت راسي بهدوء.
طول السنين اللي فاتت، البيت كان مفتوح ليكم من غير استئذان.
وبعدين بصيت للسلسلة الحديد.
المرة دي لأ.
سعيد ضرب البوابة بإيده بعصبية
يعني إيه لأ؟! إنتِ هتمنعينا من بيت أبونا؟
الجملة دي خلتني أوقفه بنظرة واحدة.
بيت أبوك؟
وقربت ناحية البوابة خطوة.
أبوك مات وهو كاتب البيت والأرض وكل اللي فيها باسمي.
اتجمدوا.
كلهم.
حتى سمية رفعت عينيها
أما سعيد، فضحك بعصبية
مستحيل.
فتحت الدفتر بهدوء، وطلعت من بين صفحاته ورقة قديمة متصفرة من الزمن.
ورفعتها قدامهم.
عقد الملكية.
الهواء نفسه حسيت إنه وقف.
مرات سعيد همست
يعني كل ده باسم طنط؟
قلت بهدوء
من أول يوم.
سعيد بصلي كأنه شايفني لأول مرة.
بابا عمره ما قال.
ابتسمت بحزن
لأن أبوك كان فاهم حاجة إنتوا ما فهمتوهاش.
سمية سألت بصوت واطي
إيه هي؟
قفلت الدفتر على مهل.
إن البيت اللي ما يحترمش صاحبه ما يستحقش يفضل مفتوح.
الصمت رجع تاني.
لكن المرة دي كان تقيل جدًا.
وفجأة، سعيد قال بسرعة
يعني عشان شوية زعل هتحرمينا من المكان؟
ضحكت بخفة.
شوية زعل؟
وبعدين بصيت في عينيه مباشرة.
إنت آخر مرة قعدت معايا من غير ما تكون عايز حاجة كانت إمتى؟
فتح بقه يرد
لكن ماطلعش صوت.
لأنه ماكانش فاكر.
وأنا كنت فاكرة.
فاكرة كل مرة دخل فيها البيت مستعجل.
كل مرة كلّم فيها أخواته قدامي كأني مش موجودة.
كل مرة قعدوا ياكلوا ويضحكوا ويسيبوا الأطباق والمطبخ والهدوم المرمية ويمشوا.
وأنا أرتب وراهم لوحدي.
سمية بدأت عينيها تدمع.
واضح إنها بدأت تشوف الصورة كاملة لأول مرة.
أما سعيد
فكان لسه متعلق بالحاجة المدفونة.
قال بحدة
طيب قولي بقى إيه اللي تحت الأرض؟
بصيت ناحيته شوية طويلة.
وبعدين قلت
تعالوا بكرة الصبح.
الكل اتفاجئ.
ليه بكرة؟
لأن النهارده مفيش حد هيدخل البيت.
مرات سعيد قالت بعصبية
وهنبات فين دلوقتي؟!
رد عم رمضان لأول مرة
في فندق في أول الطريق زي باقي الناس.
اتضايقت من رده، لكن ماقدرتش تتكلم.
أما أنا، فقمت من على الكرسي بهدوء.
وخدت الدفتر في حضني.
وبعدين قلت
اللي عايز يعرف أبوكم خبّى إيه ييجي بكرة الصبح لوحده.
سعيد عقد حواجبه
لوحده يعني إيه؟
بصيت على العربيات والشنط واللمة كلها.
وقلت
من غير شواء ومن غير أصحاب ومن غير صوت عالي.
سكتوا.
لأنهم فهموا المقصود.
أنا ماكنتش بطردهم من المزرعة
أنا كنت باختبر إذا كانوا لسه عيلة فعلًا
ولا
فضلوا واقفين قدام البوابة شوية طويلة بعد كلامي.
كل واحد فيهم باصص للتاني، كأنهم مستنيين حد يقول إن اللي بيحصل مجرد هزار.
لكنّي ما ضحكتش.
وما اتحركتش.
وسعيد أول واحد فهم إن المرة دي مختلفة فعلًا.
شد نفس طويل وقال