ابني طلعني من جروب العيلة
تاني، وطلعت آخر ظرف فيه.
كان أكبر من الباقيين.
وعليه مكتوب
لأم سعيد.
إيدي ارتعشت وأنا بفتحه.
لأن حتى أنا ماكنتش قريته قبل كده.
الحاج محمود كان قافله بشريط قديم، وكاتب تحت اسمي
يتفتح وقت ما تحسي إنك بقيتي لوحدك.
الأوضة كلها سكتت.
فتحت الجواب ببطء.
وكان أول سطر فيه
عارف إنك هتشيلي البيت والعيلة بعدي وعارف إنك هتتعبي أكتر ما هتشتكي.
دموعي نزلت لأول مرة من ساعة كل اللي حصل.
وكملت قراية
بس أوعي في يوم تفتكري إن قيمتك في الخدمة اللي بتعمليها للناس قيمتك إنك قلب البيت نفسه.
ماقدرتش أكمل لحظة.
الصوت اختفى من حلقي.
سمية قربت مني بسرعة ومسكت إيدي.
أما سعيد، فنزل على ركبته قدامي فجأة.
ودي أول مرة يعملها من وهو طفل صغير.
بصلي وهو بيعيط فعلًا
حقك علينا يا أمي.
الجملة دي كسرت حاجة جوايا.
حاجة كانت ناشفة بقالها سنين.
أشرف قرب هو كمان
إحنا اتعودنا إنك موجودة دايمًا فنسينا
نجلاء حضنتني من كتفي وهي بتبكي
سامحينا.
حضنتهم بعيني قبل إيدي.
والغريب
إني ماكنتش غضبانة منهم قد ما كنت حزينة عليهم.
حزينة إن الدنيا جرتهم لدرجة نسيتهم نفسهم.
بعد شوية، سعيد بص للصندوق وقال
يعني ماكانش في دهب ولا فلوس؟
ابتسمت وسط دموعي.
كان في حاجة أغلى.
بصلي باستغراب.
فحطيت إيدي على الجوابات والصور.
وقلت
أبوك سابلكوا الحاجة الوحيدة اللي كانت ناقصاكم.
إيه هي؟
بصيت حواليّا
لولادي
للبيت
للذكريات اللي رجعت تتحرك بعد سنين صمت.
وقلت بهدوء
قلبكم.
بعدها بوقت طويل محدش فينا اتحرك.
الأوضة كانت مليانة سكون غريب، بس لأول مرة من سنين ماكانش سكون وحدة.
كان سكون ناس بدأت تفهم بعض متأخر لكن بصدق.
سمية كانت لسه ماسكة الجواب بتاعها، تقراه تاني وكأنها خايفة تنسى أي كلمة.
أما أشرف، فقعد يقلب في الصور القديمة ويضحك وسط دموعه كل شوية.
بصوا دي يوم ما سعيد وقع في
سعيد مسح عينه بسرعة وقال
وأبويا نط وراه بالجلابية.
ضحكوا كلهم.
ضحكة صغيرة
بس حسّيتها رجعت الحياة للبيت.
نجلاء قامت فجأة وقالت
المطبخ فاضي ليه؟
بصيتلها باستغراب.
قالت وهي بتمسح دموعها
إحنا جعانين وإنتِ مش هتدخلي تعمليلنا أكل لوحدك المرة دي.
ولأول مرة
دخلوا المطبخ كلهم معايا.
سمية عجنت.
أشرف ولّع الفرن البلدي.
نجلاء قطعت الخضار.
وسعيد ابني اللي عمره ما دخل المطبخ قبل كده كان واقف يغسل الأطباق في هدوء.
كل شوية يبصلي كأنه لسه مش مصدق إنه كان ممكن يخسر البيت ده كله مش الأرض، البيت الحقيقي.
عم رمضان كان واقف عند الباب يضحك ويقول
الحاج محمود لو شايفكم دلوقتي كان ضحك من قلبه.
ريحة الأكل بدأت تملا المكان.
والبيت اللي كان ساكت بقاله سنين رجع فيه صوت.
صوت حياة.
وبعد الغدا، خرجنا كلنا نقعد تحت شجرة الزيتون الكبيرة اللي زرعها الحاج محمود أول سنة اشترينا فيها الأرض.
سعيد بص حواليه وقال بهدوء
أنا بقالي سنين باجي هنا وعمري ما شوفت المكان بالشكل ده.
ابتسمت بخفة
عشانك عمرك ما جيت عشان تشوفه.
سكت، وبعدها قال
معاكي حق.
وبعدين مد إيده في جيبه، وطلع موبايله.
فتح جروب العيلة قدامنا كلنا.
وأول حاجة عملها
إنه رجعني للجروب.
لكن قبل ما يقفل الموبايل، كتب رسالة قصيرة
البيت مش مزرعة ولا استراحة البيت هو أمي.
ماحدش رد وقتها.
لكن كلهم بصّوا ليا.
وأنا حسيت بحاجة دافية جوايا حاجة كنت فاكرة إنها ماتت من سنين.
بالليل، لما الكل نام، خرجت لوحدي قدام البيت.
الهوا كان هادي، وشجر الزيتون بيتحرك بخفة.
بصيت ناحية القصيص الكبير اللي طول عمري بسيب المفتاح تحته.
وقفت قدامه شوية.
وبعدين طلعت المفتاح من جيبي.
لفّيته بين صوابعي لحظة
لكنّي ما حطيتوش تحت القصيص.
ابتسمت لنفسي، وقلت بصوت واطي
البيوت ما ينفعش تفضل مفتوحة للناس اللي ناسية قيمتها.
وبعدين رجعت
ودخلت البيت.
المرة دي
مش كخدامة بتستنى الناس تيجي.
لكن كصاحبة بيت
رجع أخيرًا يتشاف.