كنت اظن ان حماتي أخطر شخص في المنزل

لمحة نيوز


علينا.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
ليس لأنني سمعت الإهانة
بل لأنني أدركت أن هذا الرجل لم يرني يومًا إنسانة أصلًا.
كنت مجرد عائق يجب إزالته.
قال سيف بصوت مرتجف
وهل كنت ستدمر سمعتي معها من أجل صفقة؟!
رد والده بقسوة
الرجل العاقل يضحي بعلاقة صغيرة من أجل مستقبله.
اقترب سيف منه أكثر.
ثم قال لأول مرة في حياته
أنت لا تعرف شيئًا عن مستقبلي.
ساد الصمت.
أما حماتي فكانت تبكي بصوت منخفض وهي تردد
كفى أرجوكما كفى
لكن أحدًا لم يكن يسمعها.
كنت أشعر أن رأسي يدور بقوة.
والثقل ما زال يسيطر على جسدي.
لاحظ سيف حالتي أخيرًا.
ترك والده فورًا واتجه نحوي بسرعة.
ريم هل أنت بخير؟
لم أستطع الإجابة جيدًا.
همست فقط
أريد الخروج من هنا
نظر حوله للحظة.
ثم قال بحسم
سنخرج الآن.
صرخت حماتي بخوف
إلى أين ستذهبان في هذا الوقت؟!
لكن سيف لم يرد عليها.
أمسك بيدي وساعدني على الوقوف.
كنت بالكاد أستطيع المشي.
وعندما مررنا قرب أبي سيف
قال الأخير بصوت غاضب
إذا خرجت معها الليلة فلا تعد.
توقف سيف.
شعرت بيده ترتجف للحظة.
كنت أعلم كم يخاف خسارة والده.
ففي هذا البيت، كان رضا الأب أهم من أي شيء.
حتى من السعادة

نفسها.
لكن بعد ثوانٍ طويلة
التفت سيف نحوه وقال بهدوء هزّ المكان كله
أنا لا أتركك

يا أبي
أنا فقط أرفض أن أظلم زوجتي.
كانت تلك أول مرة يقف فيها سيف أمام والده دون خوف.
ولأول مرة
لم يجد أبو سيف ما يقوله.
خرجنا من البيت أخيرًا.
وكان هواء الليل البارد يضرب وجهي كأنني أتنفس للمرة الأولى منذ شهور.
طوال الطريق، بقي سيف صامتًا.
أما أنا
فكنت أراقب نافذة السيارة وأحاول أن أفهم كيف تحولت حياتي خلال ساعات إلى هذا الخراب.
وصلنا إلى شقة صغيرة يملكها سيف قرب الموصل القديمة.
شقة كان قد اشتراها منذ سنوات ولم يسكنها.
دخلتها ببطء.
كانت فارغة تقريبًا
لكنها شعرتني بالأمان أكثر من ذلك البيت الكبير كله.
جلست على الأريكة بصمت.
أما سيف فبقي واقفًا ينظر إليّ وكأنه يريد قول ألف شيء ولا يعرف كيف يبدأ.
ثم قال أخيرًا
لماذا لم تخبريني أنكِ خائفة منهم لهذه الدرجة؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم ابتسمت بألم
لأنك كنت تحبهم أكثر من أن تصدقني.
أخفض رأسه فورًا.
وكأن الجملة أصابته في قلبه مباشرة.
جلس أمامي ببطء.
وقال بصوت مكسور
كنت أظن أن طاعة أبي هي الشيء الصحيح دائمًا.
أجبته بهدوء
برّ الوالدين لا يعني أن نؤذي الناس من أجلهم.
رفع عينيه نحوي لأول مرة.
وكانت الدموع واضحة فيهما.
هل تستطيعين مسامحتي؟
سكتُّ للحظات.
ثم قلت
لا أعرف بعد.
لم يغضب.
ولم يحاول الدفاع عن نفسه.

بل هزّ رأسه فقط وكأنه يتقبل الحقيقة أخيرًا.
في الأيام التالية، انتشرت القصة داخل العائلة بسرعة.
أخت سيف توقفت عن زيارة البيت.
وأقاربهم بدأوا ينظرون إلى أبي سيف بطريقة مختلفة.
أما الحاج فارس
فجاء بنفسه بعد يومين.
رجل وقور

تجاوز الستين.
وحين فهم ما حدث، غضب بشدة.
قال لأبي سيف أمام الجميع
ابنتي ليست جائزة تضعها مكان امرأة أخرى.
وعندها فقط
فهمت أن ابنة شريكه لم تكن تعلم شيئًا عن الخطة أصلًا.
بل كانت ضحية أخرى لطمع الرجال الكبار.
أما حماتي
فبدأت تزورني بعد أسابيع.
في البداية كنت أرفض رؤيتها.
لكنها أصرت.
وحين دخلت شقتنا الصغيرة أول مرة
بدت أضعف بكثير مما أتذكر.
جلست بصمت طويل.
ثم قالت وهي تبكي
عشت عمري كله أخاف منه
حتى نسيت كيف أقول لا.
لم أجبها.
لكنني للمرة الأولى
شعرت بالشفقة عليها.
أما سيف
فلم يقطع والديه.


ولم يهِنْهما.
لكنه أيضًا لم يعد ذلك الابن الذي يطيع دون تفكير.
صار يزورهما وحده أحيانًا.
ويسأل عنهما.
ويحاول ألا يقسو عليهما رغم كل شيء.
لكنه وضع حدودًا واضحة أخيرًا.
حدودًا لم يكن يملكها طوال عمره.
بعد أشهر، بدأ بيتنا الصغير يمتلئ بالحياة تدريجيًا.
اشتريت نباتات للنافذة.
وعلّق سيف مصباحًا قديمًا كنت أحبه.
وأصبح صوت القرآن صباحًا
يملأ المكان بدل الصراخ والخوف.
وفي إحدى الليالي، بينما كنا نشرب الشاي بصمت
قال سيف فجأة
هل تظنين أن أبي يكرهك فعلًا؟
فكرت قليلًا.
ثم قلت
لا.
أظنه فقط كان يخاف

أن يفقد سيطرته عليك.
بقي صامتًا للحظة.
ثم ابتسم بحزن
لأول مرة أشعر أنني أعيش حياتي أنا.
نظرت إليه طويلًا.
كان متعبًا
لكنه بدا أخف من السابق.
وكأن الرجل الذي عاش عمره كله تحت ظل والده بدأ أخيرًا يتعلم كيف يقف وحده.
أما أنا
فلم أنسَ ما حدث بسهولة.
كانت هناك ليالٍ أستيقظ فيها مذعورة كلما سمعت صوت باب يُفتح.
وكانت يداي ترتجفان أحيانًا دون سبب.
لكن الفرق الوحيد
أنني لم أعد وحدي داخل خوفي.
وفي مساء ممطر، زارنا أبو سيف لأول مرة بعد أشهر.
وقف عند الباب طويلًا دون كلام.
ثم قال بصوت خافت لم أعتد

سماعه منه
هل تسمحان لي بالدخول؟
نظر سيف نحوي أولًا.
ولأول مرة
تركني أنا أقرر.
وبعد صمت طويل
فتحت الباب.
ليس لأنني نسيت.
ولا لأن ما حدث كان بسيطًا.
بل لأن بعض القلوب تتعب من الكراهية أكثر مما تتعب من المسامحة.
جلس أبو سيف بصمت تلك الليلة.
بدا أكبر سنًا بكثير.
ولم يحاول تبرير شيء.
فقط شرب الشاي بهدوء وغادر.
وعندما أغلق سيف الباب بعد خروجه
قال بهدوء
سأبقى ابنهم
لكنني لن أسمح لأحد بعد اليوم أن يدير
حياتي بدلًا مني.
اقتربت من النافذة.
وكان المطر ينزل فوق أزقة الموصل القديمة بهدوء.
أما داخل بيتنا الصغير
فلم يعد هناك خوف.
فقط بداية جديدة
متأخرة قليلًا،
لكنها حقيقية.

 

تم نسخ الرابط