كنت فاكرة إن بنتي مكسوفة مننا
كنت فاكرة إن بنتي مكسوفة مننا عشان إحنا على قد حالنا.. لحد ما سمعت جوزها الغني بالصدفة وهو بيشرحلها ليه أنا عمري ما دخلت بيتهم، والحقيقة صدمتني وخلت جسمي كله يتنفض!
أنا اشتغلت في مصنع كرتون وتغليف تلاتة وعشرين سنة. إيديا دايماً كانت ريحتها غرا وبودرة ورق، وضهري كان بيوجعني في معظم الليالي. بس الشغلانة دي هي اللي سترتنا ودبرت المصاريف، وساعدتني أعلم بنتي هناء لحد ما تخرجت من الجامعة.
لما أبو هناء مات وسابها لسة لحم حمرا عندها سنتين، الدنيا اسودت في وشي. مكنش عندي شهادة كبيرة ولا عيلة بظهر قوي تسندني في الدنيا، ولقيت نفسي قدام خيار من اثنين إما أمد إيدي للناس وأعيش على الإحسان، أو أكل لمتي بعرق جبيني وأشيل شيلتي بنفسي. نزلت دورت على شغل في كل مكان، لحد ما ربنا كرمني واشتغلت عاملة في مصنع الكرتون ده.
المرتب في الأول كان على قد الحال، بس الشغلانة كانت بتاكل من صحتي وعافيتي. تلاتة وعشرين سنة وأنا واقفة قدام الماكينات والمكابس، إيديا دايماً خشنة ومشققة، والبودرة الناعمة بتاعة الورق بتدخل في صدري وتخليني أكح طول الليل. ريحة الغرا الصناعي لزقت في جلدي وممسامي لدرجة إني كنت بغسل إيدي بمية سخنة وصابون بدل المرة عشرة بعد الشغل، وبرضه كانت الريحة بتفضل موجودة ومهيمنة على كل حاجة حوليا.
كنت برجع بالليل شقتي الإيجار القديم الضيقة، ضهري مفروم من الشيل والحط والوقفة الطويلة،
كبرت هناء، ودخلتها المدارس، وبقيت أحرم نفسي من اللقمة ومن الهدوم الجديدة عشان أشتريلها أحسن لبس نضيف يعوضها عن غياب أبوها وعن عيشتنا البسيطة. ولما جابت مجموع كبير في الثانوية العامة ودخلت الجامعة، كنت حاسة إني ملكت الدنيا وما فيها. هناء كانت بنت مؤدبة، هادية، وعينها مليانة حياء وعزة نفس. كانت دايماً لما تشوفني راجعة تعبانة، تجري عليا تبوس إيدي الخشنة وتقولي يا أمي، ريحة إيدك دي هي ريحة الشرف والستر، بكرة هكبر وأعوضك عن كل لحظة شقا وأخليكي ملكة مش محتاجة لحاجة واصل.
الفصل الثاني دخول ماجد إلى حياتنا الهادئة
وبعدين اتجوزت ماجد.
ماجد ده كان شاب يختلف عن عالمنا البسيط في كل حاجة ممكنة. ابن ناس مبحبحين قوي ومن عيلة تقيلة ومعروفة في البلد. أهله أغنيا، متعلم في مدارس إنترناشونال، وعنده شركة خاصة أبوه هو اللي موليها، وعايش في فيلا كبيرة ورا بوابات حديد سوداء كبيرة.
لما جه اتقدم لها وقعد معانا في شقتنا المتواضعة ذات الأثاث القديم، أنا كنت خايفة ومرعوبة من فروق الطبقات. قعدت معاه لوحدنا وقلت له بصراحة ووضوح يا ابني، إحنا ناس على قدنا، وأنا ست شقيانة في مصنع كرتون، وبنتي معندهاش ورث ولا جهاز غالي ولا شقة تتباهى
ماجد بص في الأرض باحترام شديد وتواضع حقيقي وقال لي يا أمي، أنا مش شاري جهاز ولا شاري عيلة وألقاب، أنا شاري هناء لإنها جوهرة نادرة، وأنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تكون معايا وتشاركني حياتي.
ماجد كان باين عليه واقع في غرامها ومجنون بيها. كان دايماً يبعتلها ورد من غير مناسبة، يفتحلها باب العربية، ويبصلها كأن مفيش ست في الدنيا غيرها. بقالهم دلوقتي خمس سنين متجوزين وخلفوا توأم زي القمر، كريم ومروان، عندهم تلات سنين دلوقتي، ودول بقوا كل دنيتي وحياتي.
الفصل الثالث البوابات الحديدية السوداء وظنوني المرة
أنا كنت بموت في الولدين دول وبعشقهم أكتر من أي حاجة في الدنيا. بس الغريبة.. إني عمري ما دخلت بيتهم ده خالص. ولا مرة!
دايماً كان فيه حجة وشماعة جاهزة ومتفصلة لكل زيارة أطلبها
أصل العيال عيانين يا أمي وسخنين ومقريين وخايفة يعدوكي.
أصل ماجد عنده ضيوف وشغل في البيت وضغط اجتماعات.
أصل هناء تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها.. إحنا اللي هنجيلك يا أمي لحد عندك.
فكنت دايماً بشوف أحفادي وبنتي في الجناين العامة، أو في مطاعم ومحلات أكمل الشهيرة، أو من خلال مكالمات الفيديو اليومية. بصراحة.. قعدت أقول لنفسي والشيطان يوزني إن هناء مكسوفة مني قدام جوزها وأهله الأغنيا. مكسوفة من لبسي البسيط اللي بشتري من المحلات العادية.. عربيتي القديمة الكركوبة اللي صوت موتورها
لحد ما جه امبارح، وواحد من التوأم بعتلي بالغلط فويس ومسج رسالة صوتية على الماسنجر وهو بيلعب بالتليفون. في الأول، كان الصوت عبارة عن دوشة وخروشة مش مفهومة؛ صوت كرتون شغال في الخلفية، ضحكة واحد من العيال، وصوت عربية لعبة بتتحرك على الأرض. كنت خلاص هقفل وأمسح الرسالة وأفتكرها لعب عيال، لحد ما سمعت صوت ماجد وجمّدني في مكاني!
أم ماجد حماتها كانت بتسأله في قعدة عائلية هو ليه أم هناء عمرها ما بتيجي هنا تزوركم في الفيلا؟
جسمي كله اتخشب وبقيت مش قادرة أتحرك، حصل سكات لثواني.. بعدين ماجد ضحك بضحكة واطية كدة وقال علشان لو رجليها عتبت البيت ده للحظة واحدة، هتعرف السر اللي هناء مخبياه عنها بقالها خمس سنين!
نفسي اتقطع ومبقتش عارفة أتنفس. وفجأة سمعت بنتي هناء وبتوشوشه بلهفة ورعب وبكاء مكتوم ماجد، بلاش أرجوك.. أمي مش لازم تعرف الموضوع ده واصل! لو عرفت هتموت من القهر.
ماجد رد عليها وهو باين عليه مستمتع وبيتسلى بالنقاش ليه بس؟ أمي من حقها تفهم الحكاية، وأمك كمان من حقها تعرف بنتها بتعمل إيه.
والجملة اللي قالها بعد كدة.. خلت ركبي تسيب وما نشلتنيش من الصدمة لما كمل كلامه وأنا حاطة