ملياردير قفل على مراته

لمحة نيوز

ملياردير قفل على مراته الحامل في مخزن البيت عشان يرضي أمه.. ولما فتح الباب الصبح عشان تطلب السماح، لقاها اختفت وأبوه الميت من سنين بينادي عليه من ورا الحيطة!
فتحت قفل باب المخزن الساعة ٦ الصبح وأنا مستني أشوف مراتي مكسورة وراية.
دي أوسخ وأبشع جملة ممكن أقولها عن نفسي وعن رجولتي طول حياتي.
كنت مستني رحمة تكون قاعدة على أرضية البلاط الساقعة في الأوضة الضيقة الضلمة اللي تحت السلم الوراني، كبريائها مكسور في الأرض، وعينيها ورمة من كتر العياط، وجاهزة بكلمة أنا آسفة عشان تقولها لأمي. كنت مستني المشهد اللي أمي ربتني وعيشتني عليه وعيشتني إنه هو ده العدل والشرع ست متمردة بنكسر عينيها وبنسكتها، وزوجة بنعرفها مقامها وحجمها، وبيت بيرجع له الهدوء والنظام بالغل.
بس الصدمة إن المخزن كان فاضي تماماً مفيش فيه صرصار دَب.
دبلة جواز رحمة كانت مرمية في نص الأرض، ونازل عليها خط نور فضي باهت من نور الفجر من الشباك الصغير اللي فوق الرفوف. وجنب الدبلة كان فيه اختبار حمل، شرطتين حمريين واضحين زي الشمس.. إيجابي! ومحطوط فوق صورة قديمة من أيام طفولتي، الصورة كانت مقطوعة ومشقوقة بالظبط من النص.
وعلى ظهر الصورة، كان مكتوب بخط رحمة ٦ كلمات خلوا الدم يتجمد في عروقي وجسمي يسقع.
اسأل أمك.. أبوك راح فين؟
لثواني رجلي م شالتنيش ومقدرتش أتحرك من مكاني. فضلت واقف والمفتاح لسه في إيدي، نفس المفتاح اللي قفلت بيه على مراتي الحامل من كام ساعة بس، وحسيت بالبيت كله بيسكت حواليا؛ مكنش سكوت راحة،

ده كان سكوت اتهام وقهر.
أمي، الحاجة كريمة، كانت واقفة ورايا بالروب الحرير بتاعها، وشعرها الأبيض ملموم بنظام شديد كأنها نازلة تصلي الفجر مش واقفة تتفرج على روح بني آدم وهي بتتكسر وتتهد قدامها.
قالت ببرود ها؟ اتعلمت الأدب ولا لسه هتربي شحم؟
بصيت للدبلة في الأرض تاني. وبعدين لاختبار الحمل. وبعدين للصورة المقطوعة.
سألتها ونَفَسي مكتوم هي فين؟
وش أمي اتشنج لثانية واحدة، بس لحقت نفسها علطول كالعادة؛ هي دايماً بتعرف تمثل وتداري.
وقالت بنبرة حادة ما تبدأش معايا بالنبرة دي يا مازن. رحمة ست بتاعة شو ومظاهر، تلاقيها هربت من أي داهية عشان تفضحك وتصغر وتكسر عينك قدام الناس.
المخزن ملوش أي مخرج يا أمي.
يبقى مستخبية وبتمثل.
خطيت رجلي جوة المخزن. الريحة خبطت في وشي الأول رطوبة خشب، تراب، سكر قديم، وحاجة تانية مستخبية تحت كل ده، ريحة شبه ريحة القبور والمدافن المقفولة بقالها ميت سنة وبتتنفس في السر. الرفوف كانت مايلة ومتبهدلة. طقم أطباق الصيني القديم كان مقلوب ومكسور على الأرض. تراب الدقيق كان معلم في الأرض بخطوط باهتة، كأن فيه جثة أو حاجة تقيلة اتسحلت من المكان ده.
أو كأن فيه حد اتسحل غصب عنه.
بطني وجعتني وحسيت برعب غريب.
نديت بصوت مخنوق رحمة؟
مفيش أي رد.
زقيت كراسي الخشب المطبقة على جنب؛ وراهم كان فيه دولاب خشب قديم أوي بتاع جدتي. الدولاب ده تقيل جداً ومستحيل رحمة تقدر تحركه لوحدها وهي حامل، أو ده اللي كنت فاكره! بس الدولاب كان متزحزح كام بوصة عن الحيطة، وورا الحيطة
ورق الحائط كان مقطوع ومخربش بخطوط طولية باينة إنها اتعملت بغل وضوافر بتستغيث.
صوت أمي حِدي وعلي مازن! سيب البتاع ده واطلع برة!
اتسمرت في مكاني.
لحد الثانية دي، كان فيه جزء غبي في دماغي لسه فاكر إن فيه تفسير طبيعي للي بيحصل؛ إن رحمة زعلانة، ذكية، وبتعمل حوار عشان تعاقبني وتلعب بأعصابي. ده السيناريو اللي أمي كانت هتحشيه في دماغي وأنا زي الحمار كنت هصدقه وأبلعه من ٢٤ ساعة فاتوا.
بس أمي قالتها بسرعة ورعب باين في صوتها.
مقالتش إيه ده؟
مقالتش غريبة، إيه اللي ورا الدولاب؟
هي قالت علطول سيب البتاع ده واطلع برة!
لفيت وشي وبصيت لها هو فيه إيه ورا الدولاب ده يا أمي؟
عينيها اتملت دموع في ثانية كأنها زراير ودست عليه بعد كل اللي عشته واستحملته عشانك، بتبص لي وتكلمني كأني مجرمة؟
ابعدي من طريقي.
أنا أمك!
ورحمة مراتي الحامل!
الكلمات طلعت من بوقي غريبة وصعبة لاني قولتها متأخر أوي.. بعد ما الفاس وقعت في الراس.
أمي بحلقت فيا كأني ضربتها بقلم على وشها. بدأت تقرب من الدولاب بس أنا كنت أسرع منها؛ غرزت صوابعي في الفراغ اللي ورا الدولاب وشديت بكل عزمي وقوتي. الخشب عمل صوت تزييق مرعب وشرخ في الأرض كأنك تفتح غطا تابوت مدفون من سنين.
ورا الدولاب كان فيه باب خشب ضيق وصغير، طوله يدوب لحد صدري، ومدهون بميت طبقة دهان لحد ما ملامحه تاهت جوة الحيطة.
الترتاس الحديد بتاع القفل كان مفتوح ومكسور.
وفجأة.. ومن ورا الباب الضلمة ده، طلع صوت!
مازن؟
نَفَسي انقطع تماماً والدنيا دارت بيا.
ده مكنش
صوت رحمة..
ده كان صوت راجل.. صوت عجوز، خشن، ومبحوح وضايع من كتر السنين، بس كنت عارفه صم لدرجة ركبي خبطت في بعضها من الرعب. الصوت ده مكنتش بسمعه إلا في أحلامي، وفي شرايط الفيديو القديمة اللي أمي حرقتها ودمرتها كلها وأنا عندي ١٠ سنين!
صوت أبويا!
الحاج إبراهيم المنشاوي!
الراجل اللي أمي عاشت تقنعني وتقنع البلد كلها إنه مات وشبع موت من وأنا عندي ٥ سنين!
يا ترى مين الراجل اللي عايش ورا الحيطة ده وهيطلع إيه السر المرعب اللي أمي مخبياه عن أبويا وموتته في الأوراق الرسمية وهو لسه عايش؟ ورحمة مراتي الحامل راحت فين واختفت إزاي من الأوضة المقفولة دي؟ وإيه الكارثة اللي هتحصل لما الباب الصغير ده يتفتح على الآخر والدنيا كلها تتقلب فوق دماغنا؟

إيدي كانت بتترعش وأنا بقرب من الباب الصغير المستخبي ورا الدولاب.
أمي صرخت لأول مرة في حياتي بالصوت ده مااازن! أوعى تفتح الباب!
لكن كان فات الأوان.
شدّيت الباب بعنف
وصوت صريره طلع كأنه أنين قبر بيتفتح بعد سنين.
ريحة عفونة ورطوبة ضربت وشي، وهوا ساقع طلع من الممر الضيق اللي ورا الحيطة. لمبة صفراء ضعيفة كانت بتنور مكان صغير تحت الأرض، ولما نزلت أول درجة، قلبي وقف.
راجل عجوز قاعد على كرسي خشب.
شعره أبيض بالكامل.
دقنه طويلة ومهملة.
جسمه هزيل كأنه متاكل من العمر والحبس.
لكن عينيه
عينيه كانوا نفس عيني أبويا.
الحاج إبراهيم المنشاوي.
الميت رسميًا من ٢٥ سنة.
الرجل بصلي والدموع غرقت عينيه كبرت يا مازن
رجلي خانتني.
وقعت على ركبتي.
إنت إنت
حي؟!
أمي كانت واقفة فوق عند الباب وبتصرخ متسمعش كلامه! الراجل ده مجنون!

تم نسخ الرابط