وافقت على الزواج من جندي أرمل

لمحة نيوز

 أبي قبل أن تدخل، هناك شيء يجب أن تعرفه عن إيناس.
بقي غسان واقفًا تحت المطر، والقبعة في يده، والزي العسكري ملتصقًا بجسده.
لم يُنزل سليم العصا من يده.
أردت أن أوقفه، لكنني لم أستطع الحركة. كنت قد تخيلت عودة غسان مرات كثيرة. في أسوأ لياليّ، كنت أراه ميتًا. وفي أفضلها، كنت أراه سالمًا، فوق حصانه الداكن، يسأل إن كان أطفاله ما زالوا أحياء.
لكنني لم أتخيله هكذا أبدًا.
بنظرة مكسورة.
وساق يجرّها جرًّا.
وروح تستأذن كي تدخل بيتها.
قال غسان بصوت خافت
قل.
ابتلع سليم ريقه.
إيناس لم تعتنِ بنا فقط.
نظر إلى إخوته.
كانت ريم تحتضن ليان. وكان التوأم، نيقولا وجوليان، حافيَين لكنهما نظيفان. وكان آدم يضع بطانية فوق كتفيه. أما روز، الأكثر هدوءًا بينهم، فكانت تحمل شمعة وتحاول أن تمنع المطر من إطفائها.
رفع سليم وجهه.
إيناس أنقذتنا.
أغمض غسان عينيه.
أما أنا، فشعرت أن تلك الكلمة سقطت فوقي ككيس قمح ثقيل.
همست
لا تبالغ.
فجاء صوت من الطريق
بل يبالغ.
ظهرت الحاجة أمينة خلف غسان، ملفوفة بعباءتها السوداء، وخلفها رجلان يحملان صندوقًا. كانت جافة، مستقيمة، كأن المطر لا يجرؤ على لمسها.
قالت بقسوة
هذه المرأة سحرتكم. يعود ابني من الحرب، فتستقبلونه وتتحدثون عنها كأنها قديسة.
استدار غسان ببطء.
أمي.
حاولت الحاجة أمينة أن تعانقه.
لكنه لم يتحرك.
لاحظت رفضه، لكنها أخفته

بسرعة.
بني، الحمد لله أنك عدت. جئت فور أن علمت أنك قادم. هناك أمور كثيرة يجب إصلاحها. هذا البيت في فوضى أخلاقية.
تقدمت ريم خطوة.
البيت كان ميتًا حين كنتِ تأتين إليه.
رمقتها الحاجة أمينة بنظرة قاسية.
اخرسي يا فتاة.
اختبأت ليان خلف طرف عباءتي.
رأى غسان تلك الحركة.
رآها كما يرى المرء جرحًا لم يكن يعرف أنه موجود.
سأل
لماذا تخافون من أمي؟
لم يجب أحد.
كان المطر يضرب سقف الفناء. وفي الساحة كانت أواني الريحان تتحرك مع الريح. ورائحة خبز الذرة ما زالت تخرج من الفرن، ممزوجة برائحة التراب المبلل ودخان الحطب.
أنزل سليم العصا، لكن صوته لم يهدأ.
لأنك عندما توقفت عن الكتابة، قالت إنك ميت.
قطب غسان حاجبيه.
أنا كتبت.
شعرت بضربة في صدري.
لم يصلنا شيء بعد ثلاثة أشهر.
قال غسان
أرسلت رسائل كلما استطعت. من المعسكر. ومن المدن التي مررت بها. ومن قطار مليء بالجنود والنساء اللواتي يخبزن على صفائح سوداء. وأرسلت مالًا.
شدّت الحاجة أمينة على مسبحتها.
الحرب فوضى. تضيع فيها الأشياء.
ضحك سليم بمرارة.
غريب. الشيء الوحيد الذي لم يضع هو ما أردتِ أنتِ أن يعرفه الناس.
نظر غسان إلى أمه.
أين مالي؟
رفعت ذقنها.
كنت أديره.
عندها فهمت.
الليالي التي لم نجد فيها طحينًا.
الأيام التي غليت فيها قشور البطاطا لأخدع الجوع.
المرات التي بعت فيها الصابون في السوق لأشتري الفاصولياء.

والثوب الأسود الذي أحضرته لي قبل أوانه.
لم يكن حدادًا.
كان حكمًا.
قلت
كنتِ تديرينه؟
نظرت إليّ كما يُنظر إلى شيء حقير.
لا تتدخلي.
تقدم غسان خطوة نحوي.
إنها زوجتي.
وقعت الكلمة هذه المرة بشكل مختلف.
ليست كاتفاق.
ولا كعقد.
بل كدفاع.
احترقت عيناي بالدموع.
ضحكت الحاجة أمينة.
زوجتك كانت مريم. هذه الفتاة كانت حاجة مؤقتة.
توتر الأطفال.
وأنا أيضًا.
لأن ذلك كان صحيحًا.
في البداية.
خفض غسان نظره لحظة، متألمًا من اسم زوجته الأولى. ثم نظر إلى البيت.
كانت صورة مريم فوق الرف، غير مخفية ولا مغطاة. كل أسبوع كنا نبدل لها الزهور. وفي يوم الذكرى، وضعنا لها الخبز والماء والشمعة. وكانت ليان تترك دميتها ذات العين الواحدة قرب الصورة حتى لا تشعر بالوحدة.
مشى غسان نحو الرف.
لمس الإطار.
أنتِ وضعتِ هذا؟
قلت
الأطفال. أنا فقط أشعلت الشمعة.
ارتجفت أصابعه.
ظننت أنني سأعود فأجد الخراب.
تحدث سليم قبلي
الخراب كان موجودًا عندما رحلت. إيناس هي التي أصلحته.
ضربت الحاجة أمينة الأرض بعصاها.
كفى! هذه المرأة لم تصلح شيئًا. دخلت هنا بسبب الجوع، وجعلت أبناءك يتعلقون بها، والآن تريد أن تبقى وتستولي على الأرض. لذلك جئت بالحاج لؤي.
تنحنح أحد الرجلين قرب الصندوق.
كان الحاج لؤي، تاجر مواشٍ ومُقرِضًا معروفًا. له شارب كثيف وعينان كعيني أفعى. وكان دائمًا ينظر إليّ أكثر مما ينبغي
عندما أمر أمام الدكان.
قال
يا غسان، والدتك وأنا بيننا اتفاق. أنت تحتاج إلى الراحة. والبيت يحتاج إلى رجال حقيقيين. أستطيع أن آخذ الأرض مقابل الديون، وأترك العائلة في بيت مناسب.
سأل غسان
أي ديون؟
أجابت الحاجة أمينة بسرعة
الديون التي صنعتها هذه المرأة.
ذهبت إلى المطبخ.
ثم عدت بعلبة قديمة.
لم يكن داخلها حلوى.
كان داخلها إيصالات.
ضممت يدي كي لا ترتجفا.
هنا كل شيء. ما استدنته من دكان الحاج محمود. وما سددته بالبيض والخياطة والخبز والصابون. وما بعته من أشيائي. وما سحبته والدتك باسمك ولم يصل إلى البيت.
شحبت الحاجة أمينة.
أخذ غسان الأوراق.
قرأ ببطء.
ظل المطر ينهمر، لكن داخل البيت لم يكن أحد يتنفس.
قال
هنا مكتوب أن راتبي سُحب من مركز المدينة.
قالت الحاجة أمينة
نعم، بواسطتي. أنا أمك.
تابع غسان
وهنا مكتوب أن إيناس دفعت ثمن الطحين، والدواء، وخشب إصلاح السقف.
عدّل الحاج لؤي قبعته وقال
النساء يكتبن أشياء كثيرة ليظهرن كضحايا.
تقدم سليم نحوه.
انتبه.
رفع غسان يده.
سليم.
توقف الصبي.
بحكم العادة.
وبحكم الحب.
وبحكم غضب مكبوت.
نظر غسان إلى أطفاله واحدًا واحدًا.
هل جُعتم؟
لم يتكلم أحد.
لكن ليان تكلمت.
أحيانًا كانت إيناس تقول إنها أكلت، لكنني رأيتها تعض يدها.
تجمد جسدي.
ليان
قالت
وعندما أصابتني الحمى، مشت ليلًا إلى البلدة لتحضر الطبيب. وقعت في الساقية،
وعادت مغطاة بالطين.
أضافت ريم
وباعت عباءتها الزرقاء كي تشتري الدواء.
وقالت روز، التي نادرًا ما كانت تتكلم
وضربت الحاج لؤي بالمكنسة
 

تم نسخ الرابط