ارجعوا من مكان ما جيتوا

لمحة نيوز


عشان شوية تراب ومسح؟
عبير لقت نفسها بتترعش، بس المرة دي مش من الخوف، المرة دي من كتر الكتمان والزعل اللي اتكوم جواها طول السنة اللي فاتت. افتكرت السجادة اللي دلقوا عليها العصير، وافتكرت كالون الباب المكسور، وطقم السكاكين اللي رجع تلم، وزفارة السمك اللي دّودت على الرخامة. افتكرت إزاي كانت بتنضف وراهم ودموعها نازلة من القهر وشقا عمرها بيبوظ قدام عينيها.
ردت بصوت ثابت كأنه الصخر
أنا مش هقطع صلة رحم يا رأفت. اللي عايز يودّني، يودّني في تليفون، أو يجي يشرب معايا كباية شاي ويمشي في ساعتها.. لكن لوكاندة ومصيف ببلاش وعيال تكسر وتبهدل، ده مش هيحصل تاني. شقتي مش هيدخلها مخلوق الصيف ده.
بقى كده يا عبير؟ رأفت زعقت وزقزقت بصوتها والله لأعرف العيلة كلها حقيقتك وأقولهم إنك طردتينا وبخلتي علينا بشقتك! ومحدش هيمدلك إيده لو وقعتي في ضيقة.. خلي البحر والورد ينفعوكي!
وراحت قفلت السكة في وشها.
عبير قعدت على الكرسي، مفاصلها سايبة، ودموعها نزلت.. بس المرة دي كانت دموع راحة، كأن جبل انزاح عن صدرها.
ومرت الأيام، وجاء شهر مايو، وبدأ الكابوس السنوي يتحرك.
في يوم جمعة، الساعة كانت تلاتة العصر، والجو حار جداً. عبير كانت قاعدة بتشرب شاي بالنعناع مع جارتها الحاجة فوزية في البلكونة، وسامعين صوت البحر من بعيد. فجأة، سمعوا دوشة وصوت عالي طالع

من مدخل العمارة.. صوت كأنه زفة أو خناقة.
عبير قلبها انقبض، وقفت وبصت من عين الباب السحرية.. لقت الكارثة!
أمنية بنت أختها، وجوزها جلال الجعضي، ومعاهم العيال، وشايلين في إيديهم الشنط الكبيرة، وكراتين شيبسي، وعوامات منفوخة، وبطاطين! ووراهم على السلم لمياء بنت عمها وحماتها الست الكبيرة وهي بتنهج وتشتكي من السلم.
جلال وصل باب الشقة، وبكل بجاحة ممدش إيده يخبط، ده رزع الباب برجله وهو شايل الشنط وبيرغي يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. افتحي يا خالة عبير، وصلنا بالسلامة! الطريق كان واقف والعيال هيموتوا من الجوع، جهزي الغدا بسرعة!
عبير وقفت ورا الباب، مدمعة من الصدمة.. هما مبيفهموش؟ أختها مقالتلهمش؟ ولا هما جايين يفرضوا أمر واقع وفاكرين إنها هتتكسف وتفتح زي كل مرة؟
الحاجة فوزية طلعت من شقتها على الصوت، وبصت لعبير وقالتلها بهمس جمدي قلبك يا بنتي.. لو فتحتي المرة دي، يبقى بتسلمي رقبتك ليهم العمر كله.
عبير خذت نفس عميق، وقفلت الترباس الحديد بتاع الباب زيادة تأكيد، وفتحت المندرة الشباك الصغير اللي في الباب وبصت ليهم.
أمنية أول ما شافتها، ضحكت ضحكة صفرا إيه ده يا خالتي؟ أنتي قافلة بالترباس ليه؟ إحنا وصلنا خلاص، افتحي خلّينا ندخل الشنط، الجو نار برة.
عبير ردت بنبرة حاسمة، مفيهاش أي تردد
مش هفتح يا أمنية.. خدي جوزك وعيالك، وانزلي
من مطرح ما جيتي.
الكل سكت فجأة.. جلال تنّح، ونزل الشنط من إيده وقال بعصبية جرى إيه يا حجة عبير؟ إحنا مش جايين نشحت، إحنا قرايبك وجايين نقضي الويك إند.. افتحي الباب بلاش حركات عيال.
مش هفتح، عبير كررتها وصوتها هز الطرقة أنا بلّغت أختك رأفت من شهر، وقولتيلها الشقة دي بيتي وسكني مش لوكاندة ومصيف للعيلة. أنتوا جايين تفرضوا أمر واقع؟ من مطرح ما جيتوا، تقدروا ترجعوا تاني!
لمياء بنت عمها اتدخلت ووشها احمر بقى كده يا عبير؟ تكسفينا في الغربة وسايبة حماتي الست العيانة على السلم؟ دي قلة أصل وملهاش مسمى تاني!
عبير بصت لها وقالت قلة الأصل هي اللي بيعملها اللي بيدخل بيوت الناس غصب عنهم ومن غير إذنهم. قلة الأصل لما عيالكوا يكسروا ويبهدلوا شقا عمري ومحدش فيكم يقول كلمة اعتذار ولا يصلح اللي باظ. قلة الأصل لما تيجوا تاكلوا وتشرّبوا وتعتبروني الخدامة اللي بتنضف وراكم.. أنا صنتكم سنين، وأنتوا مصنتوش بيتي مرة واحدة.
جلال بدأ يزعق ويخبط على الحيطة والله دي قلة ذوق، وإحنا مش هنمشي من هنا إلا لما ندخل! أنتي فاكرة نفسك مين؟
هنا الحاجة فوزية اتدخلت، وبأعلى صوت عندها قالت جرى إيه يا راجل أنت وهو؟ صوتك مايعلاش في العمارة هنا! دي ست لوحدها وبتقولكم مش عايزة تستقبل حد.. لو ملمتوش شنطكم وأخدتوا بعضكم ونزلتوا حالا، أنا هطلب أمن البوابة وبوليس
النجدة يعملكم محضر تعدي وإزعاج للسكان!
كلمة البوليس والمحضر خلت جلال يرجع لورا.. هما ناس بتوع مصلحة وبس، وميحبوش يدخلوا في مشاكل وقضايا.
أمنية بدأت تلم الشنط وهي بتعيط من الغيظ والكسفة ماشي يا خالتي عبير.. والله لأخلي أمي تقاطعك ليوم الدين، والعيال كلهم هيعرفوا إنك طردتينا في الشارع.
عبير ردت عليها بابتسامة هادية وراحة بال مع السلامة يا بنتي.. والباب يفوت جمل.
قفلوا المندرة، وسمعوا صوت خطواتهم وهي نازلة على السلم، وهما بيتحسبنوا ويشتموا ويلعنوا في عبير وأنانية عبير. الأصوات بدأت تبعد وتبعد، لحد ما اختفت تماماً ورجعت العمارة لهدوئها.
عبير ساندت ضهرها على الباب، وغمضت عينيها. حست بنسمة هوا ساقعة وجاية من البلكونة، شايلة ريحة اليود المنعشة.
الحاجة فوزية طبطبت على كتفها وقالت جدعة يا بنتي.. أول مرة تقولي لأ بتبقى صعبة وبتوجع، بس بعد كده بتديكي عمر جديد.
عبير ابتسمت وقالت عندك حق يا حاجة.. أنا دلوقتي بس عرفت الغلط فين. الغلط مكنش فيهم هما، الغلط كان فيّ أنا لما سمحتلهم يتخطوا حدودي باسم الأهل والعيلة. الأرض اللي مابتتحميش بسور، أي حد بيطمع يدوس عليها.
دخلوا
البلكونة تاني، وقعدوا يشربوا الشاي.. وبصت عبير للبحر الواسع قدامها، وحست إن الصيف السنة دي هيكون أجمل صيف في حياتها كلها.. صيف بطعم الحرية والراحة، لوحدها، مع
البحر والورد بتوعها.

 

تم نسخ الرابط