ارجعوا من مكان ما جيتوا
الغروب تبص على البحر. الدنيا كانت هادية وريحة اليود طالعة مع النسمة. قعدت تفكر في حياتها كلها، إزاي عاشت تحاول ما تبقاش أنانية كانت بتساعد الكل، وتقف جنب اللي في ديدق، وتسلف فلوس ما كانتش بترجع، وتسمع هموم الناس وهي عمرها ما شيلت حد همها. ودلوقتي، لما وقفت تدافع عن بيتها وسكنها، بقيت أنانية! كان فيه حاجة غلط في الحسبة دي، حاجة مش مظبوطة، بس ما كانتش قادرة تحط إيدها على الغلط فين بالظبط.
الصيف كان بيمر، والقرايب مكملين بقوا بيجوا بنوع من البجاحة، كأنهم عاملين جدول ومقسمين الأيام بينهم. بيجوا في الويك إند، وساعات يكلموها قبلها بيوم، وساعات يتصلوا وهي في المطبخ إحنا في الموقف يا عبير، جهزي الغدا. وفي كل مرة عبير كانت بتفتح الباب، وتأكلهم وتغسل وراهم. وفي كل مرة، كان فيه حاجة بتتكسر أو تبوظ أو تخلص من غير استئذان.
في يوم، لقت جلال جوز أمنية الجعضي داخل المطبخ وأخد طقم السكاكين النظيف وبورسلين الشوربة من غير ما يقول. هستعيرهم بس يا خالة، قالها لما سألته. ولما رجعهم، كانت فيه سكين تلمة وطبق مكسور. بسيطة، هاتي غيرهم الخامات دي مغشوشة أصلاً، قالها جلال من غير نقطة دم واحدة في وشه.
وبعدين لمياء سابت زفارة السمك وشوكه على رخامة المطبخ، وفضل لثاني يوم الصبح لحد ما ريحته
وبعدين واحد من العيال كسر لوح إزاز في ضلفة البلكونة، ومحدش نطق ولا حد قال بكام ده.
عبير كانت بتشيل وتكتم جواها، كأنها بتجمع طوب في شوال.. ساكتة، ومستحملة، وبتعد.. طوبة ورا طوبة.
كلمت رأفت تاني، ورأفت صدتها برضه. وفي مرة، من كتر زهقها قالتلها
يا عبير، افهمي.. لما الناس تجيلك، ده تشريف ليكي. المفروض تفرحي إن ليكي لزمة وعندك خير والناس قصداكي.
أنا مش عايزة اللزمة دي ولا الخير ده بالطريقة دي، قالت عبير.
خلاص براحتك، ردت رأفت، اقعدي فيها لوحدك بقى واشبعي بالبحر والورد بتوعك.
كانت بتقولها بنية الإهانة والقطيعة. بس عبير بينها وبين نفسها قالت والله ده يبق مأمل جميل جدًا! أعيش لوحدي مع البحر والورد. ده كان هو المبتغى والمراد من الأول.
في الخريف، الهجوم قل شوية موسم المصايف خلص، والجو بدأ يبرد والناس سحبت رجليها. عبير اتنفست الصعداء. وبدأت واحدة واحدة تصلح اللي اتدمر غيرت الكالون، ركبت لوح الإزاز المكسور، وجابت سكاكين جديدة. جارتها الحاجة فوزية، اللي كانت شيفا المولد اللي شغال طول الصيف، كانت بتهز راسها بقلة حيلة.
انتي طيبة زيادة عن اللزوم يا بنتي، كانت بتقولها، والناس الطيبين في الزمن ده بيتاكل حقهم.
عارفة، كانت عبير بترد.
أمال
ما بعرفش أقول لأ.
الحاجة فوزية كانت بتبصلها بنظرة كلها فهم باين عليها شافت من ده كتير في حياتها. كانوا بيشربوا الشاي في البلكونة ويسكتوا، والكلام اللي بينهم كان مفهوم من غير ما ينطقوا بحرف.
الشتا مر هادي وجميل. عبير كانت بتعمل لقمة دافية، تقرأ، وتتمشى على الكورنيش الفاضي. مفيش قرايب بيجوا المشوار بعيد، والجو سُرسُور سقعة، وما يستاهلش التعب. كانت مستمتعة بالهدوء ده وبتفكر.. بتفكر كتير جداً.
كانت بتفتكر إزاي طول عمرها اتربت على إن الأهل خط أحمر، وإن القريب ما بيتسابش، وإن اللقمة لازم تتقسم، والواحد لازم يستحمل ويشيل. وإنك لو رفضت طلب لقريبك، تبقى واد عاق، وقاسي، وبخيل. المفاهيم دي كانت محفورة جواها لدرجة إنها ما خدتش بالها امتى المفاهيم دي مابقتش تخدمها، وبقت تِتِسِنْ ضدها وسكينة بتدبحها..
الجزء الثاني والأخير
مرّ الشتا بحلوه ومره، وعبير قاعدة في شقتها زي الملكة المتوجة في مملكتها الصغيرة. كانت بتصحى الصبح على ريحة اليود، تعمل فنجان القهوة المظبوط، وتقعد في البلكونة تتفرج على نوات الإسكندرية وهي بتقلِب البحر، والمد والموج بياكل في الرمل. كانت حاسة بأمان ميعلمش بيه إلا ربنا، أمان افتقدته سنين طويلة في زحمة القاهرة ودوشة عيلة رأفت وأختها اللي مابتخلصش طلباتها.
لكن دوام الحال من المحال.. مع أول هلة لشهر أبريل، والجو بدأ يفتح والشمس بدأت تدفي، عبير حست بنغزة في قلبها. شافت في المنام كأن فيه سيل من التراب داخل من باب الشقة وهي بتجرِف فيه ومش ملاحقة. صحيت من النوم قلقانة، وقالت اللهم اجعله خير، استرها يا رب.
مفيش يومين، والتليفون رن.. النمرة كانت نمرة رأفت. عبير خدت نفس طويل، وسمّت الله وردت
أيوة يا رأفت، سلام عليكم.
عليكِ السلام يا عبير.. إيه، عاش من سمع صوتك! مابتسأليش يعني ولا بتقولي أختي الكبيرة عايشة ولا ماتت؟
المشاغل يا رأفت، وأنا طول الشتا مابنزلش من البيت وبصلح في الشقة.
اممم.. بتصلحي؟ كويس، أهو تنضفيها وتجهزيها، عشان الصيف على أبواب والعيال هيموتوا على البحر. أمنية بنتي من دلوقتي بتقزقز فيّ عشان أكلمك.
عبير جسمها قشعر، وحست بضغطها بيعلى، بس حاولت تبان هادية
تجهّز إيه يا رأفت؟ الشقة جاهزة لأصحابها بس.. أنا مش هسقبل حد الصيف ده.
الخط قطع ثواني، كأن رأفت الصدمة لجمتها، وبعدين ردت بصوت غاضب ومبحوح
سمعّيني تاني كده؟ مش هتستقبلي مين؟ أنتي اتجننتي يا عبير؟ أنتي فاكرة نفسك قاعدة في قصر ديلوكس؟ دي حتة شقة أوضتين وصالة في أواخر المعمورة! والناس بتوعنا هما اللي بيعملوا لها قيمة لما بيجوا يملوها! وبعدين إحنا قرايبك، لحمك ودمك.