ارجعوا من مكان ما جيتوا
الجزء الأول
من مطرح ما جيتوا، تقدروا ترجعوا تاني!.. قالتها أبلة عبير وهي واقفة على باب شقة المعمورة، رافضة تمامًا تخلي قرايبها اللي واقفين على الباب يدخلوا.
الشقة دي ما جاتلهاش ورث، ولا كانت هدية من حد؛ دي اشتريتها بفلوسها، شقا عمرها اللي فضلِت تحوش فيه سنين وسنين. كانت بتشيل القرش على القرش، وتحرم نفسها من حاجات كتير، لا عمرها طلعت مصيف ولا غيرت هدومها اللي قِدمت وبقت محتاجة تتغير من زمان. لما السمسار فرجها على الشقة دي في الآخر كانت صغيرة بس تشطيبها نضيف، بلكونتها واسعة وبتبص على جنينة هادية عبير حست في ساعتها هي دي! هو ده المكان اللي كانت بتحلم بيه في ليالي الشتا الطويلة، لما كانت مدينتها القديمة بتغلي من الزحمة والصوت العالي تحت شباكها، وجيران الشقة اللي فوقيها مشغلين الأغاني لعز الفجر.
عزلت هناك أول شهر مايو، لما الجو بدأ يدفي ونسمة البحر بدت تهل بريحة الوعود الطيبة. أجّرت شقتها القديمة اللي في وسط البلد لعروسين هاديين، ناس محترمة بيدفعوا الإيجار في أول الشهر ومن غير دوشة ولا تليفونات مالهاش لزمة. وفلوس الإيجار دي كانت ممشية بيها حالها مصاريفها، وطلبات الشقة، وشوية زرع وورد للبلكونة. كل حاجة كانت ماشية بالمسطرة، زي ما كانت بتتمنى بالظبط.
بداية الصيف
لكن المصايب جاتلها من الحتة اللي ما عملتش حسابها، مع إنها لو كانت صريحة مع نفسها، كانت توقعت ده. أختها الكبيرة، رأفت، عرفت بموضوع شقة المعمورة في نص الصيف يمكن من حد من المعارف، أو يمكن عبير هي اللي لسانها فلت في تليفون وهي بتتكلم عن الورد والبحر. رأفت من النوع اللي يلقط الكلمة ويفهم اللي وراها في ثواني.
شقة في المعمورة؟ ردت رأفت بنبرة كأنها لقت كنز مدفون. انتي اشتريتي شقة مصيف يا عبير؟
آه، قالتها عبير، وقلبها انقبض وحست بغصة في حلقها.
يا محاسن الصدف! بقى كده؟ قالتها رأفت، والكلمة كان فيها كل حاجة غيرة، وحسبة مصلحة، وبداية خطة مرسومة.
بعدها بأسبوع، تليفون رن.. كانت بنت أختها، أمنية.
خالتي عبير، سمعنا إنك جبتي شقة في العجمي أو المعمورة؟ ينفع نيجي نقضي عندك الويك إند؟ العيال هيموتوا من حر القاهرة ومحتاجين يشموا هوا نضيف.
عبير ما كانتش بتعرف تكسر بخاطر
عبير نظفت في سكات. وقالت لنفسها معلش، اعتبريها حادثة وتعدي. الضيوف ضيوف، والعيال عيال.
بس بعد أمنية، السبحة كرّت.
بعد أسبوعين، كلمتها بنت عمها، لمياء، من المحافظة اللي جنبهم. قالتلها إنها جاية هي وجوزها وحماتها ست كبيرة محتاجة تشم هوا البحر. عبير وافقت تاني، بس وهي شايلة طاجن طين. جوز لمياء قضى الإجازة كلها في البلكونة بيشوي، وخلص على الفحم كله اللي عبير كانت شايلاه للشتا. والحما قعدت على الكرسي الهزاز
بعد الزيارة الثالثة المرة دي كان نسيب رأفت ومراته وابنهم الشاب، واد ساكت ما بينطقش بس بياكل حق ثلاثة عبير اتصلت بأختها رأفت.
جرى إيه يا رأفت؟ قالتلها وهي بتحاول تمسك أعصابها، انتي وزعتي عنوان الشقة على العيلة كلها؟
وفيها إيه يعني؟ ردت رأفت بنبرة زعل مصطنعة، كأنها مظلومة، دول قرايبك، مش ناس من الشارع!
القرايب سايبين وراهم خراب. الكالون اتكسر، السجادة اتبهدلت، والفحم بتاعي خلص.
يا عبير ما تبقيش قفوشة كده! كالون إيه اللي بتتكلمي فيه؟ ده كلام فارغ، والسجادة تتغسل والفحم يتجاب غيره. انتي هتبخلي على أهلك ولا إيه؟
مش ده الموضوع يا رأفت.
أمال إيه الموضوع؟
كان مستحيل تفهمها. عبير حاولت كلمتها عن خصوصيتها، وإن شقتها دي مش لوكاندة ولا مصحة، دي بيتها، بيتها الوحيد دلوقتي، مش مكان عام. رأفت سمعت ببرود وفي الآخر قالتلها
انتي طول عمرك فيكي حتة أنانية.. من صغرك وأنتي كده.
والمكالمة اتقفلت على كده.
بعدها، عبير فضلت قاعدة