اب غني يفاجئ بنته
أب غني جه يفاجئ بنته في غدا المدرسة، بس اتصدم لما شاف مدرستها بتدلق العصير على الأكل في صينيتها وهي بتعيط، اللي عمله بعد كدة هز المدرسة كلها....
مضى دخول عند مكتب الأمن، وهي عملية معملهاش غير كام مرة قبل كدة، الموظفة استقبلته بابتسامة عريضة بس اتهزت شوية لما عرفت هو مين، الناس لسه بيعملوا الحركة دي اللي وشهم بيقول أهلاً بس عينيهم بتقول يا نهار أبيض ده هو عاصم بيه.
سألته وهي بتزق كارت الزيارة ناحيته جاي تاخد ليلى؟
قال لها لا، جاي أتغدى معاها بس، قلت أفاجئها.
ابتسامتها رجعت تاني وقالت له هتفرح قوي، هم في الكانتين دلوقتي، امشي في الممر ده لآخره وبعدين خش شمال.
علق الكارت في قميصه ومشي في الممر، ريحة المبنى كانت ميكس بين ألوان الشمع والكلور، وهي دي الريحة الرسمية للمدارس الابتدائي في كل حتة، لوحات العيال كانت مالية الحيطان، صور لنفسهم بضحكات معوجة، ومشاريع ورق ملون بتوصف أجمل يوم في حياتي، وعائلات مرسومة بخطوط ماسكين إيد بعض تحت شمس ضخمة.
عدى من قدام فصول سنة أولى ولمح من باب مفتوح عيال صغيرة مكيومين على المكاتب وصوت مدرسة واطي، وباب تاني فيه فرش ألوان ولوحات وبنت صغيرة بضفاير مكشرة في لوحتها كأن الألوان خذلتها.
كل ما يقرب من الكانتين الأصوات كانت بتتغير، بقت أعلى وليها صدى، وخبط
وبالرغم من كدة، وهو بيلف آخر طرقة وباب الكانتين بان قدامه، حس بحاجة غريبة في الجو.
مقدرش يقول بعدين هي إيه بالظبط، يمكن كان السكوت المفاجئ اللي قطع دوشة العيال، كأن الصوت اتسحب لجوه، ويمكن كانت غريزة الأب اللي بتشتغل مع ركب العيال المخربشة وشفايفهم اللي بتترعش من العياط.
أيًا كان السبب، خطواته بطأت.
بدل الهيصة والضحك والكلام، الصالة كانت تحسها واقفة، متجمدة.
شاف العيال كلهم باصين على نقطة واحدة، أجسام صغيرة محنية فوق صواني الأكل، وإيدين مخبية بقهم.
وبعدين سمع الصوت.
شهقة عياط.
صوت ضعيف ومكسور، كأنه أكبر بكتير من الرئة الصغيرة اللي مطلعاه.
قلبه وجعه قوي.
ليلى.
مفكرش، علبة المكرونة في إيده تقلت فجأة وهو بيزق لقدام، بيعدي بين الترابيزات وعينيه بتدور يمين وشمال على وشها اللي حافظه، على شعرها المنكوش.
وشافها.
كانت قاعدة مخشبة على ترابيزة قريبة من نص الصالة، كتافها مرفوعة وجمعة إيديها تحت دقنها كأنها بتحاول تصغر نفسها على قد ما تقدر، الدموع كانت نازلة على خدودها وعاملة خطوط بتلمع وسط وشها المحمر، شفايفها كانت بتترعش بعياط مكتوم كأن صوتها خلص بس جسمها لسه بيحاول يعيط.
واقفة فوقيها مدرسة عاصم كان عارفها من أيام اجتماعات أولياء الأمور مس عفاف.
كانت أكبر من أغلب المدرسين،
دلوقتي تعبير وشها مكنش حازم خالص.
كان حاد، بارد، وفي عينيها كان فيه حاجة وحشة مالهاش مكان في أوضة مليانة أطفال.
في إيدها كانت ماسكة زجاجة بلاستيك صغيرة فيها عصير برتقال.
عصير ليلى، اللي هو صبهولها الصبح وهو بيفكر في فيتامين سي وفي الطريقة اللي هي بتحاول تفتح بيها الغطا بمجهود مبالغ فيه.
صوابع مس عفاف كانت بيضاء من كتر ما هي كابسة على الزجاجة.
عاصم خد خطوة تانية لقدام، وفتح بقه عشان ينادي، هينادي على ليلى ولا المدرسة ولا أي حد، مكنش عارف.
وقبل ما ينطق، مس عفاف قلبت إيدها.
الوقت عمل الحركة اللي بيعملها وقت المصايب، اتمط وبقى بطيء وتقيل زي الشربات.
الزجاجة بقت مقلوبة، والعصير البرتقالي نزل منها خيط رفيع كأنه بينور تحت لمبات الفلورسنت.
نزل على صينية ليلى وطرطش في كل حتة.
العصير غرق الرز بتاعها، وبقى محوطه زي الفيضان، وشربته حتت الفراخ اللي هو قطعها لها بحب، واتعجن في البطاطس المهروسة، وصبغ الطبق كله لغاية ما بقى عبارة عن عك مبلول بيلزق.
العيال اللي في الترابيزات اللي جنبها شهقوا، نفس طويل سحبه عشرات العيال، وفي حتة تانية بنت صغيرة طلعت
ليلى اتنفضت لما العصير الساقع طرطش على إيدها، وطلعت منها صرخة عياط تانية، أعلى ومقطعة القلب.
ولثانية واحدة، عاصم اتسمر مكانه.
الصدمة اتحولت لغضب ملوش حدود، غضب هادي ومرعب زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. عاصم مكنش مجرد راجل غني، ده كان راجل بيبني إمبراطوريات، وعارف كويس إمتى يهد المعبد على اللي فيه.
اتحرك ناحية الترابيزة بخطوات ثابتة خلت صوت جزمته يرن في الصالة المسكوتة. مس عفاف مكنتش لسه واخدة بالها، كانت لسه باصة لليلى بنظرة فيها شماتة غريبة وقالت بصوت واطي ومسموم عشان تتعلمي بعد كدة إن اللي مبيسمعش الكلام، أكله ميبقاش ليه لازمة.
في اللحظة دي، إيد عاصم نزلت على كتف ليلى برقة، وإيده التانية سحبت الصينية المبهدلة من قدامها.
مس عفاف اتنفضت ولفّت، وشها جاب ألوان لما شافت عاصم واقف قدامها بطوله وهيبته. حاولت تعدل نضارتها وتجمع شتات نفسها وقالت بلجلجة عاصم بيه! حضرتك.. أنا.. أنا كنت بس بعلمها النظام، ليلى كانت...
عاصم مقاطعهاش بصوت عالي، بالعكس، سألها بصوت واطي جداً خلى كل المدرسين اللي بدأوا يتجمعوا يقشعروا بتعلميها النظام بالعصير؟ ولا بتعلميها القهر؟
مستناش منها رد. طلع موبايله من جيبه وطلب رقم واحد بس، رقم مدير المدرسة اللي كان في مكتبه بيشرب قهوته. أستاذ