أرضعت طفل زوجي

لمحة نيوز


في الأمام داخل الركشة، بينما بقيتُ أنا في الخلف أضم الطفل إلى صدري وأقرأ عليه المعوذات بصوت مرتجف.
كلما تأوّه
كنتُ أشعر أن قلبي يُعصر.
وصلنا إلى مستشفى بحري بعد منتصف الليل.
الرائحة نفسها.
الممرات نفسها.
حتى صوت الممرضات أعاد إليّ تلك الليلة التي فقدتُ فيها طه.
توقفتُ فجأة عند الباب.
وشعرتُ أن قدميّ لم تعودا قادرتين على الحركة.
لاحظت الحاجة آمنة ذلك، فوضعت يدها على كتفي وقالت بهدوء
ادخلي يا بنتي ربنا ما بكرر الوجع مرتين.
لكنني كنتُ خائفة.
خائفة من المستشفيات.
من الأسرّة البيضاء.
من كلمة
البقاء لله.
دخل الطبيب سريعًا وأخذ الطفل من بين ذراعي.
وحين ابتعد عني
شعرتُ كأن شيئًا يُنتزع من صدري بالقوة.
جلستُ على الكرسي المعدني البارد وأنا أرتجف.
أما مأمون، فكان يمشي ذهابًا وعودة بطريقة مجنونة.
يمرر يده فوق رأسه كل دقيقة.
وكلما فتح باب الغرفة، يرفع رأسه بفزع.
لأول مرة
لم أره كرجل كسرني قديمًا.
بل كرجل خائف فقط.
رجل يخشى أن يفقد آخر شيء تبقى له.
بعد نحو ساعة، خرج الطبيب أخيرًا.
قال إن الطفل أُصيب بالتهاب حاد بسبب ضعف التغذية، لكنه سيكون بخير إن شاء الله.
شعرتُ بأن الهواء عاد إلى صدري دفعة واحدة.
أما مأمون
فجلس فوق أقرب كرسي وأخفى وجهه بين يديه.
كان يبكي.
بصمت.
تلك المرة لم أشعر بالغضب منه.
ولا الكره.
فقط
التعب.
اقتربتُ منه ببطء.
ثم قلت
الحمد لله.
رفع رأسه نحوي.
وعيناه حمراوان من السهر والبكاء.
وقال بصوت مكسور
كنتُ خائفًا أن أموت

أنا أيضًا لو جرى له شيء.
ساد الصمت بيننا طويلًا.
ثم جاءت الممرضة وأعادت الطفل إليّ.
وفور أن حملتُه
هدأ.
كأنه كان يعرفني فعلًا.
جلستُ أضمّه إلى صدري، وبدأ يرضع بهدوء وسط ضوء الغرفة الخافت.
راقبتني الحاجة آمنة طويلًا.
ثم قالت فجأة
ربنا عوّضك بيه يا مريم.
ارتجف قلبي.
رفعتُ رأسي نحوها بسرعة.
لكنها أكملت بهدوء
ليس لازم العوض يكون نفس الشيء الضاع أحيانًا ربنا يرسل رحمة جديدة فقط.
شعرتُ بالدموع تمتلئ عيني فورًا.
لأنني لأول مرة منذ مات طه
لم أشعر أنني أمسك بالحياة وهي تهرب مني.
بل شعرتُ أنها تعود ببطء.
قبل الفجر بقليل، خرجنا من المستشفى.
كان الطفل نائمًا فوق صدري بسلام، بينما الهواء البارد يلفّ شوارع الخرطوم الهادئة.
وحين وصلنا إلى البيت، فتحتُ الباب بهدوء ودخلت.
لكن مأمون بقي واقفًا عند العتبة.
نظرتُ إليه باستغراب.
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوتٍ متعب
لم أكن أعرف أن تربية طفل يمكن أن تُتعب الإنسان هكذا.
لم أُجب.
كنتُ ما أزال أضمّ الطفل إلى صدري وكأنني أخشى أن يختفي إذا ابتعد عني.
تنهد مأمون ومسح وجهه بكفّه، ثم قال
عندما طلّقتكِ ظننتُ أن المشكلة فيكِ.
ارتجف شيء داخلي.
لكنه أكمل دون أن ينظر إليّ
كنتُ أريد طفلًا وأردتُ امرأة أصغر وصدّقتُ أن الحياة ستكون أسهل.
ساد الصمت.
صمت ثقيل ومؤلم.
ثم قال بمرارة
لكن الحياة لا تعطي أحدًا كل شيء.
خفضتُ عيني نحو الطفل.
أما هو فبقي واقفًا مكانه كأنه يعترف بشيء تأخر كثيرًا.
قال أخيرًا
أنا
لا أطلب منكِ أن تسامحيني يا مريم ولا أقول إنني كنتُ رجلًا جيدًا لكنني تعبت.
كانت تلك أول مرة يتحدث فيها بصدق منذ سنوات.
دون تبرير.
ودون كلام جميل.
فقط رجل مُنهك، يحمل طفلًا فقد أمه، ويبحث عن بيت لا يشعر فيه بالضياع.
أما أنا
فكنتُ امرأة فقدت طفلها وزوجها، وتعبت من مواجهة الدنيا وحدها.
لا حب كبير.
ولا كلمات تشبه الروايات.
فقط شخصان كسرتْهما الحياة بطرق مختلفة.
رفعتُ رأسي نحوه أخيرًا.
ثم قلتُ بهدوء
وأنا أيضًا تعبت يا مأمون.
نظر إليّ طويلًا.
ثم جلس أخيرًا على الكرسي القريب كأن التعب هزمه دفعة واحدة.
وفي تلك اللحظة
شعرتُ لأول مرة منذ شهور أن البيت لم يعد باردًا كما كان.
مرت الشهور ببطء بعد ذلك.
لم يتغير شيء فجأة.
ولم تتحول حياتنا إلى قصة مثالية.
كان مأمون يأتي كل يوم تقريبًا.
أحيانًا يحمل حفاضات.
وأحيانًا دواء.
وأحيانًا فقط يأتي لأنه لا يعرف كيف يُسكت الطفل وحده.
أما أنا
فكنتُ أرضعه وأعتني به، ثم أعيده إليه آخر الليل.
لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير داخل البيت.
شيئًا يشبه الطمأنينة.
الحاجة آمنة صارت تزورنا كثيرًا.
تُعدّ العصيدة صباحًا.
وتضحك وهي تحمل الطفل وتقول
هذا الولد أعاد الروح للبيت.
حتى الجارات توقفن عن النظر إليّ بشفقة كما كنّ يفعلن بعد وفاة طه.
صار في البيت صوت.
حركة.
حياة.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كنتُ أطوي ملابس الطفل الصغيرة، سمعتُه يضحك للمرة الأولى.
ضحكة قصيرة وخفيفة.
لكنها ملأت البيت كله.
تجمّدتُ مكاني.
ثم بدأتُ
أبكي فورًا.
ليس لأنني تذكّرتُ طه هذه المرة
بل لأنني شعرتُ أن الله لم يتركني وحدي كما ظننت.
بعد نحو عام، جاءت الحاجة آمنة إلى بيتي صباحًا.
جلست أمامي فوق الحصير، ثم قالت مباشرة دون مقدمات
يا مريم الولد تعلّق بكِ، وأنتِ أيضًا لم تعودي قادرة على الابتعاد عنه.
خفضتُ رأسي بصمت.
فأكملت بهدوء
والناس بدأت تتكلم دخول وخروج مأمون كل يوم لم يعد مناسبًا.
كنتُ أعرف أنها محقّة.
في الحيّ، الكلام ينتشر أسرع من النار.
قالت الحاجة آمنة
مأمون يريد أن يعيدكِ إلى ذمّته إن وافقتِ.
رفعتُ عيني إليها فورًا.
لكنها لم تبتسم، ولم تحاول تزيين الأمر.
قالت بواقعية المرأة السودانية التي عاشت كثيرًا
لا أقول إنه ملاك ولا أنتِ ما زلتِ تلك البنت الصغيرة لكن أحيانًا الإنسان يحتاج بيتًا يستره فقط.
ساد الصمت طويلًا.
ثم نظرتُ نحو الطفل الذي كان يلعب قرب الباب.
كان يضحك وحده ويحاول الوقوف متعلّقًا بالكرسي.
وشعرتُ بشيء دافئ يتحرك داخلي ببطء.
ليس الحب.
بل الأمان.
ذلك الشيء الذي افتقدته طويلًا.
تمّ عقد القِران عصر يوم جمعة بسيط داخل البيت.
لا فستان أبيض.
ولا زغاريد كثيرة.
فقط شيخ الحي، والحاجة آمنة، واثنان من الجيران.
وكان الطفل جالسًا فوق ساقي طوال الوقت يعبث بطرف ثوبي.
وحين انتهى الشيخ من كتابة العقد، نظرتُ نحو مأمون.
لم يكن بيننا ذلك الحب المجنون الذي تتحدث عنه
النساء.
لكن كان هناك شيء أكثر هدوءًا.
احترام.
ونسخة متعبة من الرحمة.
شيء يشبه النجاة بعد غرق طويل.

وفي تلك الليلة، بعدما غادر الجميع، وبقي البيت هادئًا أخيرًا
كان الطفل نائمًا بيننا بسلام.
نظرتُ إليه طويلًا.
ثم أغمضتُ عيني للمرة الأولى منذ وفاة طه
دون خوف.

 

تم نسخ الرابط