أرضعت طفل زوجي

لمحة نيوز


أن يفتح الباب، التفت نحوي وقال
جزاكِ الله خيرًا يا مريم.
لكنني لم أرد.
كنتُ قد تعبت من الكلمات منذ مات طه.
خرج مأمون أخيرًا.
وعاد البيت إلى صمته القديم.
ذلك الصمت الذي يشبه بيت عزاء انتهى الناس من مغادرته منذ ساعات، لكن الحزن ما زال جالسًا في الأركان.
وقفتُ وحدي وسط الغرفة.
ثم نظرتُ نحو الكنبة التي كان الطفل نائمًا عليها قبل دقائق.
كانت البطانية ما تزال هناك.
صغيرة.
دافئة.
اقتربتُ منها ببطء، وحين رفعتها إلى وجهي، وصلتني رائحة الحليب.
وهنا انهرت.
جلستُ على الأرض أبكي بصمت، أضم البطانية إلى صدري كأنها طفل حقيقي.
في اليوم التالي، استيقظتُ قبل أذان الفجر بقليل.
كعادتي منذ موت طه.
النوم صار شيئًا غريبًا عني.
أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الشروق، أحدّق في سقف الغرفة وأتخيل كيف كان سيبدو وهو يكبر.
هل كان سيشبهني؟
أم يشبه عادل؟
هل كان سيضحك كثيرًا؟
هل كان سيحب صوت المطر؟
أسئلة بلا إجابات.
قمتُ بهدوء.
أشعلتُ موقد الغاز الصغير في المطبخ، ووضعتُ براد الشاي.
رائحة الهيل بدأت تملأ البيت.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، سمعتُ صوت أذان الفجر يخرج من مسجد الحي.
ذلك الصوت وحده كان يمنعني من الانهيار الكامل أحيانًا.
بعد الصلاة، جلستُ قرب نافذة الصالة أراقب الشارع الضيق.
نساء يحملن أكياس الخبز الساخن. بائع الفول يدفع عربته ببطء.
وأطفال يركضون بزيّ المدرسة وهم يضحكون.
الحياة في الخرطوم لا تتوقف حتى لو انكسر

قلبك.
وهذا أكثر ما كان يوجعني.
كيف يموت طفل
ثم تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟
جاء مأمون بعد العصر تمامًا.
كان يحمل الطفل بيد، وكيسًا صغيرًا باليد الأخرى.
ترددتُ قبل أن أفتح الباب.
لكن الطفل بدأ يبكي فور رؤيتي، كأنه عرف المكان.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
ثم مدّ الكيس نحوي.
أمي أرسلت لكِ قراصة وويكة.
نظرتُ إليه باستغراب.
قال بسرعة
قالت لا يصح أن نأتي كل يوم ويدنا فارغة.
للحظة شعرتُ بالخجل من نفسي.
الحاجة آمنة كانت دائمًا طيبة معي، حتى بعد الطلاق.
أخذتُ الكيس بصمت، ثم حملتُ الطفل من بين ذراعيه.
وفور أن ضممته إلى صدري، هدأ.
تمامًا كما حدث بالأمس.
راقبني مأمون طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض
سبحان الله كأنه يعرفك.
تجاهلتُ كلامه وجلستُ على الكنبة.
لكن الحقيقة أن قلبي ارتجف.
لأنني أنا أيضًا بدأتُ أشعر أنني أعرفه.
مرت الأيام بعد ذلك بطريقة غريبة.
صار مأمون يأتي كل عصر تقريبًا.
أحيانًا يبقى ساعة.
وأحيانًا أقل.
كان يجلس بصمت أغلب الوقت، يشرب الشاي، بينما أرضع الطفل أو أحمله حتى ينام.
وفي كل مرة كان يغادر
كان البيت يعود أكثر وحدة من قبل.
بدأتُ ألاحظ تفاصيل صغيرة.
كيف ينام الطفل واضعًا يده قرب أذنه.
كيف يفتح فمه قليلًا أثناء النوم.
كيف يبحث عن صوتي إذا ابتعدتُ عنه.
وفي كل مرة كنتُ أقول لنفسي
لا تتعلقي به يا مريم.
لكني كنتُ أتعلق أكثر.
ذات مساء، بعدما غادر مأمون، اكتشفتُ أن قطعة القماش الصغيرة التي
يلف بها الطفل بقيت فوق الكنبة.
حملتها لأعيدها غدًا.
لكنني بقيتُ دقائق طويلة أضمها إلى صدري.
أشمّ رائحته.
ثم أبكي.
بعد نحو أسبوع، كنتُ جالسة بعد المغرب أرتب ملابس طه الصغيرة داخل الصندوق الخشبي، حين دوّى طرق قوي على الباب.
ظننتُ أن مأمون عاد لأنه نسي شيئًا.
لكن عندما فتحتُ الباب
وجدتُ رجلًا غريبًا يقف أمامي.
كان يرتدي جلابية بيضاء ويحمل ظرفًا بنيًا.
سألني أنتِ مريم عبد الرحيم؟
أومأتُ بصمت.
فمدّ الظرف نحوي وقال
ورق من المحكمة الشرعية.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
أخذتُ الظرف بيد مرتجفة.
ثم غادر الرجل بهدوء.
أغلقتُ الباب ببطء.
وبقيتُ واقفة في منتصف الصالة أحدّق في الظرف وكأنني أعرف ما بداخله.
جلستُ أخيرًا على الكنبة.
ثم فتحته ورقة طلاق.
عادل طلّقني رسميًا.
حتى دون أن يأتي بنفسه.
حتى دون أن يسأل كيف أعيش وحدي بعد موت ابني.
شعرتُ بشيء ثقيل يهبط فوق صدري.
وظللتُ أحدّق في اسمي المكتوب أعلى الورقة.
مريم عبد الرحيم.
ثم أسفلها مباشرة
مطلقة.
ضحكتُ فجأة. ضحكة قصيرة ومكسورة.
ثم بدأتُ أبكي.
ليس بسبب عادل وحده.
بل لأنني شعرتُ فجأة أن الدنيا كلها تُغلق أبوابها في وجهي مرة واحدة.
طفلي مات وزوجي تركني.
وطليقي يعود كل يوم بطفل امرأة أخرى كي أرضعه.
حتى حياتي نفسها لم تعد تشبهني.
وضعتُ الورقة فوق الطاولة.
ثم بكيتُ بصوت عالٍ لأول مرة منذ شهور.
بكاء امرأة تعبت من محاولة الصبر.
امرأة بدأت تصدّق فعلًا أنها
بلا حظ.
وفي وسط بكائي
بدأ صدري يؤلمني مجددًا بسبب امتلاء الحليب.
فضحكتُ وسط دموعي بمرارة أكبر.
حتى جسدي ما زال يرفض تصديق أنني لم أعد أمًا.
في اليوم التالي، لم يأتِ مأمون.
انتظرتُه رغم أنني كنتُ أرفض الاعتراف بذلك.
بعد العصر بقليل، كنتُ قد أعددتُ الشاي بالفعل.
وضعتُ كوبين فوق الصينية دون تفكير.
ثم انتبهتُ لنفسي فضحكتُ بمرارة.
ماذا أفعل؟
منذ متى بدأتُ أنتظر أحدًا أصلًا؟
مرّ الوقت بطيئًا.
وصوت الأطفال في الشارع بدأ يخفّ مع اقتراب المغرب.
لكن الباب لم يُطرق.
نظرتُ نحو الساعة القديمة المعلقة فوق الحائط للمرة العاشرة.
ثم قلتُ لنفسي بحدة
أفضل دعيه لا يأتي.
لكن قلبي لم يكن مقتنعًا.
حلّ الليل.
وكنتُ قد انتهيتُ من صلاة العشاء حين سمعتُ طرقًا سريعًا على الباب.
قفز قلبي بعنف.
فتحتُ الباب بسرعة
فتجمدتُ مكاني كانت الحاجة آمنة.
وخلفها مأمون يحمل الطفل بين ذراعيه، ووجهه شاحب بطريقة أخافتني فورًا.
قالت الحاجة آمنة بسرعة
الولد سخن من العصر.
مددتُ يدي فورًا نحو الطفل.
وحين لمستُ وجهه، شعرتُ بالنار في جلده الصغير.
ارتعبتُ.
يا ساتر يا رب
بدأ الطفل يبكي بصوت ضعيف ومتقطع.
ذلك البكاء نفسه الذي يجعل قلب المرأة يرتجف حتى لو لم تكن أمًا.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
قال
أخذته إلى الصيدلية قالوا يجب الذهاب الى مستشفى.
لم أفكر حتى.
أخذتُ إسدالي بسرعة ولففته حولي، ثم حملتُ الطفل إلى صدري.
حتى الحاجة آمنة نظرت
إليّ لحظة وكأنها فهمت شيئًا لم أفهمه أنا بعد.
كانت شوارع الخرطوم شبه فارغة تلك الليلة.
الهواء رطب.
وأضواء السيارات تنعكس فوق الإسفلت المبلل.
جلس مأمون
 

تم نسخ الرابط