اعتاد عمي

لمحة نيوز


مازن إليكِ. لكنه أخفى الرسالة وملفاتكِ بعد الحريق، وسجّل وفاتكِ رسميًا مستغلًا نفوذه القانوني.
ثم فتح حقيبته، وأخرج ملفًا قديمًا محترق الأطراف.
وقال
دار الرحمة لم تكن مجرد دار أيتام كانت تمتلك أوقافًا وأراضي بمبالغ ضخمة، وكل شيء كان سينتقل قانونيًا إلى الوريثة الوحيدة عند بلوغها الخامسة والعشرين.
سألته بصوت مرتجف
تقصد أنا؟
أجاب
أنتِ.
شعرتُ بالغثيان.
عشرون عامًا من الخوف والكذب
اختُزلت كلها في توقيع واحد كان مازن يريد انتزاعه مني قبل أن أبلغ الخامسة والعشرين بأيام.
وفي ذلك اليوم، ذهبتُ لزيارة أمي في المستشفى بعدما سمح الأطباء

ببقائها تحت المراقبة المنزلية لاحقًا بسبب تحسّن حالتها تدريجيًا بعد العلاج.
كانت نائمة بهدوء، وإلى جانبها دفتر صغير وقلم.
فتحته، فوجدت جملة واحدة كُتبت بخطٍ مرتجف
سامحيني لأنني أخفيت الحقيقة كي أبقيكِ حيّة.
جلستُ بجانبها ساعات طويلة دون أن أتكلم.
كنت أريد أن أصرخ في وجهها.
أن أسألها لماذا سرقت مني عمري كله.
لماذا جعلتني أخاف كل هذه السنوات.
ولماذا استمرت في إخفائي حتى بعد أن ظنت أن مازن توقف عن البحث.
لكنني، في الوقت نفسه، كنت أريد أن أضمها فقط.
وحين فتحت عينيها أخيرًا، نظرت إليّ بخوفٍ حقيقي لم أره في عينيها من قبل.
ثم همست
هل
تكرهينني يا مروة؟
أخذتُ نفسًا طويلًا، وشعرتُ أن الإجابة أثقل من قدرتي على قولها.
ثم قلت
لا أعرف لكنني أعرف أنكِ أنقذتِني.
امتلأت عيناها بالدموع.
وقالت بصوتٍ متقطع
كنتُ خائفة أن يقتلكِ إذا عرف أنكِ ما زلتِ حيّة خصوصًا بعدما زوّر أوراق وفاتكِ وسيطر على كل شيء بعد الحريق. كنتُ أظن أن الكذب أهون من خسارتكِ.
نظرتُ إلى يديها المرتجفتين، وإلى التجاعيد التي لم أنتبه لها من قبل.
وفهمتُ فجأة أن أمي لم تعش تلك السنوات مختبئة مني فقط
بل مختبئة من الخوف أيضًا.
بعد أشهر، صدر الحكم على مازن، بعدما دعمت التسجيلات والملفات المزورة ورسائل دار
الرحمة القديمة اعترافات الشهود وتحقيقات النيابة.
سقط اسمه من كل شيء
من القضايا.
ومن المجالس.
ومن صور الاحترام التي صنعها حول نفسه لسنوات.
أما أنا
فلم أعد تلك الفتاة التي تتظاهر بالنوم خوفًا.
انتقلتُ مع أمي إلى منزل صغير هادئ بعيد عن الضجيج، بعد أن استعدتُ هويتي الحقيقية رسميًا للمرة الأولى منذ الحريق.
وفي بعض الليالي، كنتُ أستيقظ مذعورة عندما أسمع أي صوت قرب الباب
ثم أتذكر أن أحدًا لن يدخل غرفتي بعد اليوم.
وفي أول ليلة نمتُ فيها دون خوف
أطفأتُ المصباح، ونظرتُ إلى الندبة الصغيرة أسفل عنقي.
ولأول مرة في حياتي
لم أشعر أنها علامة
على شيء سُرق مني.
بل دليلٌ على أنني نجوت.

 

تم نسخ الرابط