اعتاد عمي

لمحة نيوز


عامًا أحاول إنقاذ نفسي وتعبت.
ظهرت سارة خلفها، شاحبة الوجه، تمسك هاتفها المرتجف.
قالت بسرعة
مروة الشرطة دخلت من الباب الخلفي بعد ما وصلتهم التسجيلات.
التفت مازن إليها ببطء
أنتِ
قالت بحدة
أجل. الصديقة الفضولية التي شاهدت كل شيء.
وفجأة
انفتح الباب الأمامي بعنف.
صوت أقدام.
أجهزة لاسلكية.
رجال يركضون صعودًا على الدرج.
اندفع مازن نحو القلادة الملقاة على السرير، وكأنه يريد إخفاء ما بداخلها قبل وصول الشرطة، لكنني كنت أسرع منه.
التقطتها وفتحتها بيدين مرتجفتين.
كانت بداخلها ورقة صغيرة صفراء، مطوية مراتٍ كثيرة حتى كادت تتمزق.
فتحتها بصعوبة.
إذا عاشت هذه الطفلة فلا تسلّموها إلى مازن السالم.
لقد أحرق دار الرحمة بنفسه.
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل كأن العالم كله توقف للحظة.
رفع مازن يديه ببطء وقال
هذه مزورة.
لكن أمي شددت قبضتها على السلاح وقالت بثبات
هالة كتبتها قبل موتها.
رد بحدة
كانت تهذي.
قالت أمي
كانت تحترق لا تهذي.
اخترقني الاسم كالسهم.
هالة.
ليست نوال.
هالة
أمي الحقيقية.
وفي اللحظة التالية، اقتحمت الشرطة الغرفة.
أمسك شرطيان بمازن ودفعاه نحو الحائط، بينما اقترب ثالث من أمي بحذر، وأخذ المسدس من يدها المرتجفة برفقٍ شديد، بعدما تأكد من أنها بالكاد قادرة على الوقوف.
قال بهدوء
سيدتي انتهى الأمر.
انفلت السلاح من يد أمي، ثم ترنحت فجأة.
صرختُ وأنا أندفع نحوها
أمي!
التقطتُها قبل أن ترتطم بالأرض.
كانت خفيفة بصورة أخافتني كأن المرض والتوتر التهماها بصمت

طوال الشهور الماضية.
فتحت عينيها بصعوبة، ثم همست
لا تناديني أمًّا إن لم تعودي ترغبين بذلك لكن استمعي إليّ.
قلت بسرعة وأنا أبكي
لا تتكلمي الآن.
ابتسمت ابتسامة متعبة وقالت
إن لم أتكلم الآن فلن أستطيع أبدًا.
ركعت سارة بجانبنا وهي ترتجف
سيارة الإسعاف وصلت.
قبضت أمي على معصمي بصعوبة وهمست
مازن لم يأخذكِ من المستشفى هو من أشعل حريق دار الرحمة بنفسه بعد أن اكتشف والدكِ ما كان يفعله بالأوقاف والتبرعات.
ضحك مازن رغم القيود في يديه
امرأة مرتبكة تتذكر أشياء بعد عشرين سنة.
لكن أحد الضباط دفعه بقوة نحو الحائط
اصمت.
أخذت أمي نفسًا متقطعًا، ثم قالت
والدكِ الحقيقي جاد السالم اكتشف قبل الحريق بأيام أن مازن كان يزوّر حسابات الدار وينقل جزءًا من الأوقاف باسمه. وحين حاول فضحه احترقت الدار في الليلة نفسها.
همستُ بذهول
أنا؟
نظرت إليّ مباشرة، وعيناها ممتلئتان بالدموع
أنتِ يا مروة الوريثة القانونية الوحيدة لأوقاف دار الرحمة بعد وفاة والديكِ.
شعرتُ وكأن الأرض اختفت من تحتي.
اسمي.
طفولتي.
عائلتي.
كل شيء انهار في لحظة واحدة.
قلت بصوت مكسور
ومن كنتِ أنتِ إذًا؟
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت
كنتُ الطاهية التي تعمل هناك وأنا من أخرجكِ من الحريق قبل وصول الشرطة، ثم أخفيتكِ بعدما هدد مازن بقتلكِ إذا عرف أحد أنكِ نجوتِ.
في الخلفية، كانت الشرطة تجمع الأدلة.
الحقنة.
الأوراق.
الكاميرا المخفية داخل الدمية.
والملفات التي تركها مازن مفتوحة فوق المكتب، ومنها ملفات الهوية
المزورة الخاصة بي.
أما الممرضة، فكانت تبكي بانهيار
أقسم إنني لم أعرف الحقيقة قال إنها حالة طارئة فقط.
صرخت سارة بغضب
ولهذا أحضرتِ حقنة تخدير بعد الثانية فجرًا؟!
غطّت المرأة وجهها وهي تبكي
هددني قال إن الفتاة ستوقّع وتنتهي المسألة.
التفتُّ نحو الضابط وسألته
أوقّع على ماذا؟
رفع إحدى الأوراق وقال
تنازل كامل عن الميراث واعتماد هوية قانونية جديدة بدل هويتكِ الحقيقية.
ثم نظر إليّ وأضاف
كان يريد إغلاق ملف الوريثة نهائيًا وكأنكِ لم تكوني موجودة أصلًا.
شعرتُ بالغثيان.
مازن لم يُدخلني هذا المنزل لينقذني
بل ليُنهي آخر دليل على بقائي حيّة.
وصلت سيارات الإسعاف والدوريات بعد دقائق قليلة، بعدما كانت الشرطة قد تحركت بالفعل بناءً على البلاغ والتسجيلات التي أرسلتها سارة مسبقًا.
حمل المسعفون أمي إلى الخارج بسرعة، بينما حاولت اللحاق بها، لكن أحد الضباط أوقفني بلطف.
قال
نحتاج أقوالكِ الآن قبل نقل المتهم وإغلاق موقع التحقيق.
نظرتُ نحو مازن.
لم يعد يبتسم.
كان يحدّق بي بنظرة باردة، كأنه أدرك أخيرًا أن الطفلة التي ظنها خائفة طوال عمرها بدأت تتكلم.
قلت للضابط
سأخبركم بكل شيء.
ابتسم مازن بسخرية وقال
لن ينتهي الأمر بهذه السهولة.
اقتربتُ منه ببطء، وشددت قبضتي على القلادة المعلقة في عنقي.
ثم قلت
ربما لكنك لم تعد تملك الحقيقة وحدك.
اقتادوه مكبل اليدين إلى الخارج.
وكان الجيران يراقبون المشهد من خلف النوافذ.
المحامي المعروف.
الرجل المتدين.
فاعل الخير الذي اعتاد
الجميع تقبيل رأسه في المناسبات
يخرج الآن محاطًا بالشرطة، ووجهه ممتلئ بالغضب.
اقتادوني إلى مقرّ النيابة.
ولم تترك سارة يدي طوال الطريق.
جلستُ ساعات طويلة أقدّم إفادتي، بينما كان فريق التحقيق يراجع التسجيلات والملفات التي صودرت من مكتب مازن، إضافة إلى أوراق الهوية المزورة الخاصة بي.
حكيت لهم عن خطواته الليلية.
عن خوف السنوات.
عن مراقبته المستمرة للندبة والقلادة.
عن الكاميرا المخفية داخل الدمية.
عن الملفات التي وجدتها.
وعن أمي التي أخفتني طوال تلك السنوات خوفًا من أن يعثر عليّ.
لم أبالغ.
ولم أحاول تحويل ألمي إلى قصة درامية.
قلت الحقيقة فقط.
وفي الصباح، دخل رجل مسنّ يرتدي ثوبًا رماديًا أنيقًا ويحمل حقيبة جلدية قديمة.
عرّف نفسه بهدوء
أنا عبدالرحمن الدخيل المحامي الذي كان يتابع أوقاف دار الرحمة قبل الحريق، وقد تواصلت الشرطة معي بعد العثور على الملفات.
ثم نظر إليّ طويلًا، وكأنّه يرى شبحًا عاد من الموت.
وقال
بحثنا عنكِ سنوات طويلة يا مروة قبل أن يُغلق ملفكِ رسميًا باعتباركِ متوفاة في الحريق.
شعرتُ بقلبي يرتجف.
لأول مرة
شعرت أن اسمي نفسه لم يعد واضحًا داخلي.
أخرج صورة قديمة ووضعها أمامي.
امرأة شابة تحتضن طفلة صغيرة ملفوفة ببطانية بيضاء.
وعلى كتف الطفلة
ظهرت الندبة نفسها الموجودة أسفل عنقي.
همستُ
هذه أمي؟
أومأ الرجل ببطء
اسمها إيمان السالم وكانت آخر من خرج من الحريق قبل أن تموت متأثرة بحروقها.
حدقتُ في الصورة طويلًا، كأنني أنظر إلى حياة لا
تخصني.
ثم سألته
هل كانت تعرف أنني نجوت؟
تنهد بحزن وقال
عرفت قبل وفاتها بساعات فقط وتركت رسالة أمانة عند إحدى العاملات في الدار بعدما خافت أن يصل
 

تم نسخ الرابط