ضربني جوزي
الساعة كانت عدّت 11 بليل… والبيت هادي بشكل غريب، كأن حتى الجدران نايمة.
أنا كنت بدوّر على الشاحن، زي أي ليلة عادية، لكن اللي حصل خلى الليلة دي تتكسر من أولها لآخرها.
نور موبايل كريم فجأة قطع الضلمة، ورسايل غريبة ظهرت على الشاشة… كلمات مش مفهومة في البداية، بس فيها نبرة قديمة تقيلة، كأنها من ماضي اتقفل من زمان واتفتح تاني بالغلط.
"لسه فاكر اليوم ده… ومش قادر أنسى التحذير."
وقفت مكاني.
مش الرسالة اللي خوفتني… الخوف الحقيقي كان في رد فعل جوايا: إحساس إن في حاجة مش راكبة.
مديت إيدي، فتحت الموبايل… ومفيش نية سيئة، بس فضول ممزوج بقلق.
كل حاجة كانت باينة إنها قديمة جدًا… محادثات، مكالمات مفقودة، رسائل مش كاملة، وأسماء ناس مش فاهمة مين هما أصلاً.
قبل ما أكمل قراءة، كريم خرج من الحمام.
وقف أول ما شاف الموبايل في إيدي.
الهدوء اللي كان في وشه اتكسر فجأة، وقال بسرعة: "إنتي بتعملي إيه؟ ده موضوع قديم ومش لازم تفتحيه!"
سألته: "قد إيه قديم؟ وليه مخبيه؟"
اتنفس بصعوبة وقال: "مش وقت الكلام ده."
بس طريقته في الرد كانت كافية تخليني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد "قديم".
اللحظة اللي بعدها كانت مش مفهومة… توتره زاد، وصوته على فجأة ارتفع، وأنا كنت بحاول أفهم مش أكتر.
"أنا قولتلك متدخليش!"
وفي لحظة انفعال، حصلت حاجة ما كانتش محسوبة… دفعني من غير قصد وأنا واقفة قريب منه.
وقعت، ووشي اتخبط في طرف الكرسي.
سكون.
سكون تقيل كأنه
هو بصلي بصدمة… كأنه مش مصدق اللي حصل.
وبعدين لأول مرة، صوته نزل: "أنا… أنا ما كنتش أقصد."
بس الكلام ما كانش كفاية.
أنا ما صرختش، ما عيطتش… بس قمت بهدوء، ودخلت أوضة تانية وقفلت الباب.
قعدت على الأرض، ودماغي مليانة أسئلة: هو بيخبي إيه؟ هو خايف مني ولا عليّا؟ وليه ماضيه لسه بيطارده بالشكل ده؟
الليل كان طويل بشكل ما يتوصفش.
حوالي الساعة 2، دموعي بطلت تنزل. 3، بقيت أفكر. 4، قررت أسمع بدل ما أشتت نفسي.
وفي الصبح، أول ما النور دخل الشباك، عملت حاجة غريبة: قمت وطبخت فطار كامل زي ما بيحبه.
مش عشان أتصالح… لكن عشان أشوف الحقيقة بعيني.
البيت امتلأ بريحة الأكل، وهدوء غريب.
كريم خرج من الأوضة، عينه فيها إرهاق وقلق.
قعد على السفرة بصمت.
أنا بصيت له وقلت: "قبل ما نكمل عادي… أنا عايزة أفهم كل حاجة."
سكت.
بعدين قال: "اللي شوفتيه مش خطر عليك… بس خطر عليا أنا زمان."
بدأ يحكي.
عن فترة قبل جوازنا، عن ناس اتعامل معاهم في شغل قديم، عن مشاكل قانونية وأخطاء بسيطة كبرت، وعن تهديدات استمرت حتى بعد ما حاول يبعد.
قال إنه خاف يدخلني في الصورة… وخاف أكون هدف بدل ما أكون شريكة.
بس اللي كان واضح في كلامه إن الخوف ده اتحول لسكوت… والسكوت ده عمل فجوة بينا.
أنا سكت شوية، وبعدين قلت: "إنت حاولت تحميني… بس من غير ما تثق فيّا."
بصلي.
أول مرة أشوف في عينه حاجة شبه الندم الحقيقي.
قال بهدوء: "أنا كنت فاكر إني كده بعمل الصح.
مرّ أسبوع.
الأيام كانت مختلفة.
مش مثالية… لكن فيها كلام أكتر، وصراحة أكتر، وحدود جديدة اتبنت بينا.
وبعد كام يوم، جه ظرف غريب على باب البيت.
من غير اسم.
جواه ورقة صغيرة مكتوب فيها: "لسه الموضوع ما انتهيش."
ساعتها بس فهمنا إن اللي فات… كان مجرد بداية.
كريم بصلي وقال: "دلوقتي لازم نختار… نهرب… ولا نواجه."
وأنا لأول مرة ما كنتش بخاف.
كنت بس عارفة إن حياتنا القديمة انتهت… وبدأت حياة تانية، أصعب… بس أوضح.الظرف اللي جه من غير اسم اتساب على السفرة كأنه تقيل حتى من غير ما يتفتح.
كريم واقف قدامه ومش بيتحرك.
أنا بصيت له وقلت: "افتحه."
بس إيده كانت ثابتة بشكل غريب، كأنه لأول مرة في حياته بيخاف من ورقة.
في الآخر فتحه.
جواه ورقة واحدة بس… مكتوب فيها بخط بسيط وبارد:
"فاكر أول مرة قررت تهرب؟ إحنا لسه فاكرينك."
سكتنا.
البيت فجأة حسّيته أضيق.
كريم قعد على الكرسي وقال بصوت منخفض: "هم لسه بيدوروا عليّا…"
سألته: "مين هم؟"
ما ردش الأول.
وبعدين قال: "ناس من اللي كنت فاكر إني خرجت من حياتهم من سنين."
ساعتها حسّيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ماضي عادي.
النهار اللي بعده، بدأت حاجات غريبة تحصل.
تليفون البيت بيرن ومفيش صوت. باب الشقة يتخبط خفيف وبعدين يختفي أي حد. كريم بقى بيبص من الشباك كتير كأنه مستني حاجة تيجي.
وفي مرة بالليل، وأنا قاعدة في المطبخ، سمعت صوت خطوات في الصالة… بس كريم كان نايم.
خرجت بهدوء.
مفيش حد.
بس الكرسي
كأن حد كان قاعد وقام بسرعة.
رجعت وقلبي بيدق لأول مرة بشكل مش مريح.
في الصبح، قلت له: "إحنا مش في أمان هنا."
بصلي وقال: "عارف."
دي الكلمة اللي خوفتني أكتر من أي حاجة.
لأنه قالها كأنه مستسلم.
لكن اللي ما كناش نعرفه، إن الموضوع ما كانش مجرد تهديدات.
في نفس اليوم، جالنا ظرف تاني.
بس المرة دي… كان فيه صورة.
صورة قديمة لكريم… واقف قدام مكان مش معروف.
وتحتها مكتوب: "إحنا قربنا."
كريم وقع الورقة من إيده.
ولأول مرة أشوفه بيترعش.
قال بصوت واطي: "ده معناه إنهم عارفين مكاني فعلاً."
سألته: "وهنعمل إيه؟"
سكت.
وبعدين قال: "هنمشي الليلة."
بس قبل ما الليل ييجي… الباب خبط خبطتين خفاف.
مرة.
اتنين.
وبعدين صمت.
كريم مسك إيدي وقال بسرعة: "ما تفتحيش."
بس الصوت اللي جاي من برا كان هادي جدًا… كأنه عارف إحنا جوا.
"كريم… افتح… إحنا مش جايين نأذيك."
وقتها بس، البيت كله دخل في لحظة صمت تقيل… الصمت اللي قبل العاصفة.
وكريم بصلي وقال جملة واحدة: "أنا عمري ما حكيت لك عن الجزء ده… لأنه أخطر من اللي تتخيليه."
والباب خبط تاني.
بس المرة دي أقوى.
وأنا لأول مرة حسّيت إن حياتنا مش بتتقلب… دي بتتكتب من جديد.
وإن اللي واقف بره… مش جاي يسأل. هو جاي يكمّل اللي اتوقف من سنين.الخبطة على الباب المرة دي ما كانتش عادية…
كانت خبطة وراها صمت، كأن اللي برّه مش مستعجل… كأنه واثق إننا في الآخر هنفتح.
كريم مسك إيدي جامد،
قال بصوت واطي: "مهما حصل… ما تفتحيش."
سألت: "مين دول؟"