انتقام الام

لمحة نيوز

في جنازة جوزي، ابني مسك إيدي وعصرها جامد.. ومال على ودني وهمس بصوت واطي: "انتي مابقتيش فرد من العيلة دي خلاص".
​حسيت بقلبي اتخلع من مكانه وهو بياخد مني المفاتيح والوصية ببرود. كان بيبتسم وكأني نكرة، كأني ما تعبتش وربيت. هزيت راسي وسكت.. وقبل ما أمشي، حطيت حاجة صغيرة في جيب الجاكيت بتاعه من غير ما حد يحس ولا يشك في حاجة. بس لما الحقيقة تظهر.. هيكون الأوان فات.
​يوم الوداع
​يوم ما دفنا جوزي "محمود"، كانت ريحة الترب والمطر مغرقة المكان. كنت لابسة الأسود وطارحة شال خفيف على كتافي مكنش مداري دموعي ولا كسرتي. جنبي كان واقف ابني "أدهم"، وشه خشب وعينيه متثبتة على النعش وكأنه مستني يخلص المهمة دي بسرعة.
​من ساعة ما "محمود" مات فجأة بأزمة قلبية، وأدهم اتغير.. بقى غريب، قاسي، وبارد. كنت بسمع وشوشة وكلام عن الورث، والبيت اللي في التجمع، والشركة.. وحتى اسم "ليلى" خطيبته كان بيتردد في الكلام. بس أنا كأم، رفضت أصدق إن ابني ممكن يبيعني.
​اللحظة الحاسمة
​بعد ما الشيخ خلص الدفن والناس بدأت تعزي، أدهم مسك إيدي.. ضغط عليها لدرجة وجعتني، وقرب من ودني وقال:
"انتي مابقتيش

تخصينا يا أمي.. اطلعي منها بقى."
​الدنيا لفت بيا ومبقتش شايفة قدامي. مكنتش قادرة أنطق حرف من الصدمة. وهو لسه ماسك إيدي، شاور للمحامي "متر حامد" اللي كان واقف مستني. المحامي فتح الشنطة وطلع ظرف متقفل بختم النسر.
​"دي الوصية".. أدهم قالها بصوت عالي عشان الكل يسمع.
​شفت إمضاء محمود وختم المحامي. أدهم خطف الظرف وكأنه ملكه من يوم ما اتولد، وبعدين مد إيده في شنطة إيدي وخد "المفاتيح". مفاتيح البيت، والعربية، والمكتب.
​قلت بصوت مرعوش: "أكيد فيه غلط.. أبوك ميعملش كدة."
المحامي بص في الأرض وقال بنبرة ميتة: "يا ست "كريمة"، الورق اللي قدامي بيقول إن ابنك هو الوريث الوحيد لكل حاجة."
​الهدوء الذي يسبق العاصفة
​الناس بدأت تدير وشها الناحية التانية.. حسيت بذل وقهر وعصبية ماليهاش آخر. بس معليتش صوتي ولا عملت فضيحة وسط الناس. فهمت في لحظتها إنه قاصد يكسرني قدام الكل.
​لفيت وظهري ليه ومشيت ناحية بوابة المدافن وأنا ببلع دموعي. ورايا كان أدهم عمال ياخد بالحضن والناس بتبارك له على "قوته" وشطارته. قبل ما أخرج، رحت وقفت قدامه كأني بودعه للمرة الأخيرة.. عدلت له ياقة الجاكيت
بتاعه، وبحركة سريعة ومحترفة، زقيت حاجة صغيرة جوه جيبه الجواني.
​محسش بحاجة.
بس أنا حسيت بتكة البلاستيك الصغيرة وهي بتستقر في مكانها.
​وأنا ماشية وببعد، تليفوني نور برسالة واحدة. اللي الناس شافته وداع هادي وكسرة أم، كان هو البداية لنار هتحرق كل الأسرار اللي خباها أدهم.. وحتى اللي كان مخبيه محمود وعيلته.
​اللمسة البسيطة دي كانت القنبلة اللي هتفرقع في وشه وتدمر عالمه كله.. وأدهم مكنش يعرف إن نهايته بدأت في اللحظة اللي افتكر فيها إنه انتصر.

ركبت العربية التاكسي وأنا بصه من الشباك على المدافن اللي بتختفي بالتدريج، وفتحت الموبايل. شاشة البرنامج كانت منورة، وصوت "أدهم" طالع بوضوح من جهاز التنصت الصغير اللي زرعته في جيبه.
​كواليس الغدر
​أول ما بعدت، صوته اتغير تماماً.. مابقاش فيه نبرة الحزن المصطنعة. سمعته بيضحك مع "المتر حامد" وبيقول له:
"عفارم عليك يا حامد.. الختم كان طالع كأنه حقيقي بالظبط. لولاك كان زمان الست دي لسه قاعدة على قلبي في فيلا التجمع."
​رد عليه المحامي بصوت واطي وخبيث:
"عيب عليك يا أدهم بيه، إحنا دافنينه سوا. بس متنساش الحلاوة، أنا عرضت مستقبلي

للخطر عشان أزور توقيع المرحوم ونطلع الأميرة بره اللعبة."
​أدهم رد ببرود:
"حقك محفوظ.. والشركة من بكرة هتبدأ تصفية الأصول القديمة اللي كانت باسمها، مش عايز لها أثر في حياتي."
​الصدمة الحقيقية
​كلامهم كان زي السكاكين في جسمي، بس الصدمة الأكبر كانت لما سمعت صوت "ليلى" خطيبته وهي بتقرب منهم وبتقول بدلع:
"أخيراً يا حبيبي خلصنا منها؟ كنت خايفة محمود يكون كاتب لها حاجة في السر قبل ما يموت."
​أدهم رد عليها وهو بيطمنها:
"أبويا مات وهو فاكر إني ابنه البار اللي هيشيل اسمه، مكنش يعرف إن الورق كله اتبدل وهو في العناية المركزة. دلوقتي كل حاجة بقت ملكنا يا ليلى.. والست دي تمسح شقتها القديمة في السيدة زينب وتقعد فيها، ده كفاية عليها قوي."
​اللعبة اتقلبت
​غمضت عيني وأنا ببتسم وسط دموعي. هما فاكرين إن "محمود" مات وسابني لقمة طرية ليهم، ميعرفوش إن محمود الله يرحمه كان عارف غدر ابنه من زمان.
​فتحت الرسالة اللي جاتلي على الموبايل من "البنك السويسري". محمود مكنش سايب ورثه في مصر بس، ولا كان عبيط للدرجة دي. الوصية الحقيقية كانت متشالة في "خزنة" ميعرفش طريقها غيري، ومسجلة
فيديو وصوت وموثقة دولياً.

 

تم نسخ الرابط