جوزي رمى القنبلة بقلم انجي الخطيب
أنا اشتريت نفسي.
نزلت السلم وأنا سامعة خناقهم مع بعض جوه، كل واحد فيهم بيحدف التهمة على التاني، نورا بتشتم في أخوها إنه خيبان ومقدرش يسيطر على مراته، والأم بتدعي على نورا إنها هي اللي وزّت أخوها.. وأنا بره، كنت بشم أول نفس حرية بجد.
أكمل لك مشهد إيهاب وهو بيحاول يدور على سكن ليهم بليل والفلوس مش معاه؟ ولا عايزة ننتقل لمشهد ثريا وهي بتستقبل أمها في بيتها الملك الجديد؟
إيهاب فضل قاعد على الرصيف قدام البيت، وجنبه أمه وأخته وشنط هدومهم المرمية في كل حتة. المنظر كان فضيحة بجلاجل، الجيران واقفين في البلكونات بيتفرجوا ويتهامسوا على سيد الرجالة اللي مراته طردته هو وعيلته في نص الليل.
حماتي كانت قاعدة على شنطة كبيرة وبتندب حظها يا خيبتك يا إيهاب! يا شماتة أبلة طنطاوي فينا! ننام في الشارع يا واد بطني؟
نورا أخته مكنتش بتبطل شتيمة فيه كله منك! أنت اللي عملت فيها سبع ورجال، وأنت لا تملك ليلة في فندق! اتصرف يا فالح، هنروح فين دلوقتي؟
إيهاب طلع موبايله، إيده كانت بترتعش، حاول يكلم أصحابه واحد واحد.. اللي يكنسل، واللي يتحجج إن مراته نايمة، واللي يقوله يا عم أنت هتصحينا عشان خناقة مع مراتك؟. مفيش حد رضي يستقبله بالمنظر ده، ومعاهم حمولة أمه وأخته.
في نفس الوقت ده، أنا كنت في عالم تاني خالص.
كنت واقفة في شقتي الملك الجديدة. ريحة الدهان الجديد ونظافة المكان كانت بترد الروح. أمي كانت قاعدة على الكرسي الهزاز قدام البلكونة، لافة شالها حوالين كتفها وبتتفرج على أنوار المدينة
أمي بصتلي وقالت بصوت واطي يا بنتي، أنا مش مصدقة إننا هنا.. بس قلبي واكلني على إيهاب، تفتكري هيعملوا إيه في البرد ده؟
قربت منها، بست إيدها وقلت بمنتهى القوة نامي وأنتِ مرتاحة يا ست الكل. إيهاب مكنش شايل همك وأنتِ بين إيدين ربنا في المستشفى، وكان عايز يرميكِ في دار رعاية عشان يرضي أمه. اللي يبيع يتباع يا أمي، وده عدل ربنا.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعي اتصل بيا
يا مدام ثريا، الأستاذ إيهاب عندي في المكتب، وشه مش جايب مية خالص، وموافق يطلق ودي مقابل إنك تتنازلي عن قضية التبديد، هو دلوقتي ممعوش مليم يدفع تعويضات أو نفقة، وعايز يخلص.
قلت للمحامي يطلق فوراً، وياخد شنطة هدومه اللي باقية ويمشي.. أنا مش عايزة منه مليم، أنا كسبت كرامتي وراحة بالي، وده عندي بكنوز الدنيا.
إيهاب بعتلي رسالة أخيرة قبل ما يغير رقمه أنتِ دمرتيني يا ثريا، خليتي منظري زبالة قدام أهلي والناس.
رديت عليه بكل برود أنا مدمرتكش، أنا بس ورّيتك حجمك الحقيقي من غيري. أنت كنت عايش في خيري وبتاكل من شقاي، ولما فكرت تفتري، كان لازم ترجع لمكانك الطبيعي.. على الرصيف.
قفلت الموبايل، ورميت الشريحة القديمة كلها. بصيت للشقة، للشمس اللي داخلة من البلكونة، ولأمي اللي بتفطر في هدوء.. حسيت إن وزنه جبل انزاح من على صدري.
القصة مخلصتش هنا، دي بدأت. بدأت وأنا صاحبة قراري، في بيتي، ومعايا أغلى حاجة في حياتي. أما إيهاب وعيلته، فسمعت بعد كدة إنهم اتأجروا أوضة وصالة في منطقة شعبية، وإيهاب
تحبي نقفل الستارة على كدة ونهاية ثريا المنتصرة؟ ولا عايزة مشهد أخير لإيهاب وهو بيشوفها بالصدفة بعد سنة وهي في قمة نجاحها؟
مرت سنة كاملة.. سنة كانت بالنسبة ل ثريا هي سنة التأسيس والنجاح، وبالنسبة ل إيهاب كانت سنة الغرق في شبر مية.
ثريا كبرت شغلها، وبقت بتمشي في الشارع وراسها في السما، اشترت عربية جديدة، وبقت ملامحها مرتاحة لدرجة إن اللي يشوفها ميصدقش إنها هي نفس الست اللي كانت مطفية من سنة فاتوا. وفي يوم، وهي خارجة من مول كبير ومعاها أكياس لبس براندات ليها ولأمها، لمحته.
كان واقف قدام محل موبايلات، لابس قميص دبلان، ووشه شايل هموم الدنيا، وبينهج وهو شايل كرتونة تقيلة. إيهاب بقى شغال مندوب مبيعات بيلف على رجليه طول النهار عشان يلاحق على إيجار الأوضة والصالة وطلبات أمه اللي مبقتش تبطل عياط على أيام العز اللي ضاعت، ونورا أخته اللي اتطلقت ورجعت تقسمهم اللقمة.
أول ما عينه جت في عينها، اتسمر مكانه. الكرتونة كانت هتقع من إيده. بص لعربيتها، لبسها، لمعة عينيها.. حس إنه بيشوف ملكة، وهو بالنسبة لها مابقاش حتى ذكرى توجع.
قرب منها بخطوات مهزوزة وقال بصوت واطي ومكسور
ثريا؟ مش معقول.. ازيك؟
ثريا وقفت، عدلت نظارتها الشمس ببرود، وبصتله نظرة فاتحة من فوق لتحت وقالت بنبرة خالية من أي شماتة، لأن الشماتة اهتمام وهي خلاص مابقتش مهتمة
أهلاً
إيهاب بلع ريقه وبص للأرض
أنا تعبان أوي يا ثريا.. الدنيا جاية عليا جامد، وأمي مريضة ومحتاجة علاج غالي، ونورا مبطلة خناق.. أنا ندمان على كل لحظة زعلتك فيها، مكنتش أعرف إنك كنتِ البركة اللي في حياتي.
ثريا ابتسمت ابتسامة خفيفة، الابتسامة اللي بتنهي أي أمل
الندم ده ليك أنت يا إيهاب، مش ليا. أنا دلوقتي عايشة الحياة اللي كنت استحقها من زمان
بس كنت مأجلاها عشانك. أما أمك، فربنا يشفيها، تقدر توديها دار رعاية من اللي كنت بتنقيها لأمي.. أكيد هتلاقي فيها دكاترة وتمريض وكله تمام، مش ده كان كلامك؟
الكلمة نزلت عليه زي السهم، فكرته بأبشع لحظة في حياته. ثريا فتحت عربيتها بالريموت، وقبل ما تركب بصتله وقالت
على فكرة، أمي النهاردة بتتمشى في جنينة بيتنا الجديد، وصحتها أحسن بكتير من غير النكد بتاعكم. فرصة سعيدة يا.. يا إيهاب.
ركبت عربيتها ودورت الموتور، ومشيت وسابته واقف وسط الزحمة، غرقان في عوادم العربيات وفي ندمه اللي ملوش آخر. بص وراها وهي بتختفي من قدامه، وعرف إن الست لما بتقرر تشتري نفسها، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر ترجعها جارية تاني في بيت مبيعرفش قيمتها.
ثريا وصلت بيتها، دخلت لقت أمها مجهزة الغدا، والضحكة مالية المكان. قعدت تاكل وهي حاسة بسلام نفسي ملوش وصف، وقفلت الصفحة دي للأبد بكلمة واحدة قالتها لنفسها وهي بتبص في المراية
اللي يفتكر إن كرامة الست ممكن تتباع بلقمة، يبقى لسه معرفش مين هي الست المصرية لما بتقرر تقلب
تمت.
بقلم انجي الخطيب