سند العيلة

لمحة نيوز


في حالنا وإنت في حالك، سليم مضى الورق وهو بيغلي، وأول ما خلص، رمى القلم وخرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، إحنا كلنا اتنفستا الصعداء وحضنا ياسين اللي طلع الجوكر بتاعنا، بس الفرحة مكملتش لما أحمد فتح المذكرات اللي ياسين كان ماسكها، ولقى في آخر صفحة جملة مكتوبة بخط إيد أبويا، جملة خلتنا كلنا نتجمد في مكاننا لو سليم المنشاوي وصل لكم، اعرفوا إن هند مش بنتي، وأمها عارفة الحقيقة كويس.
بصينا كلنا لأمي اللي وشها بقى أصفر زي الليمون، وبدأت ترجع لورا وهي بتنهج، والحكاية قلبت مية حتة تانية خالص.
كلنا وقفنا في مكانا، والنفس اقطع من الصالة، الجملة كانت زي السكينة اللي شقت هدوء البيت، بصيت لأمي وأنا مش مصدقة، حاسة إن الأرض بتلف بيا، يعني إيه يا ماما؟ يعني إيه الكلام اللي مكتوب ده؟، إخواتي كلهم بصوا لأمي ومستنيين كلمة واحدة تنفي المهزلة دي، بس أمي كانت في عالم تاني، عينيها كانت مليانة دموع وبتترعش، وجسمها كله كان بيتنفض.
أحمد قرب منها والورقة بتترعش في إيده، وصوته طلع خشن ومجروح انطقي يا أمي، الكلام ده صح؟ هند مش أختنا؟، أمي غطت وشها بإيديها وانفجرت في العياط، عياط مكتوم يقطع القلب، وقالت بصوت طالع بالعافية أبوكم كان عارف إنه مش هيخلف تاني بعد الولد التاسع، كان عنده مشاكل صحية ومخبي، وفي الوقت ده أنا لقيت طفلة رضيعة محذوفة قدام باب جامع، خدتها وحضنتها وقولت دي رزق من ربنا عشان تعوضني عن القسوة اللي كنت عايشاها معاه، هو وافق يسجلها باسمه عشان يداري على عيبه قدام الناس، وعشان يكسر عيني بيها طول العمر ويذلني بالسر ده.
وقعت على الكرسي وأنا مش حاسة برجليا، يعني كل الحب ده، وكل السنين دي، وكل التعب اللي تعبته عشانهم، أنا مش منهم؟ بصيت لإخواتي التسعة، لقيت في عيونهم نظرات تايهة، مابين الصدمة والشفقة، وده أكتر حاجة وجعتني، أمي جرت عليا وحضنت رجلي وهي بتعيط والله يا هند إنتي بنتي وأكتر، إنتي اللي شيلتي البيت وإنتي اللي وقفتي في وش أبوكي وسليم والكل، متهونيش عليا يا بنتي.
في اللحظة دي، سمعنا صوت

ضحكة جاية من عند الباب، بصينا لقينا أبويا والست اللي معاه واقفين والشرار طالع من عينيهم، أبويا كان بيضحك بشماتة وهو بيمسح المطر من على وش ببرود وقال أهو السر اللي كنت شايله لكم للآخر طلع، ها يا هند؟ يا بنت الشوارع؟ لسه ليكي عين تطرديني؟ إنتي أصلاً مالكيش مليم في البيت ده ولا ليكي اسم ولا أهل، والورق اللي معاكي كله بليه واشربي ميته، لأنك قانوناً مش بنتي.
الست اللي معاه كملت وهي بتعدل شعرها بانتصار يعني يا حلوة، إحنا اللي هنطردك إنتي، وهنرفع قضية تزوير في أوراق رسمية على الست الوالدة، ونحبسها ونرميكي في المكان اللي جيتي منه.
أحمد بص لأبويا بنظرة مرعبة، نظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده، وقرب منه ببطء، والكل افتكر إنه هيضربه، بس أحمد طلع تليفونه وطلب رقم، واستنى ثواني وقال يا متر، ارفع القضية اللي جهزناها.. قضية إثبات نصب واستيلاء ضد الشخص اللي واقف قدامي، أبويا ضحك وقاله قضية إيه يا روح أمك؟ أنا أبوك قانوناً لحد دلوقتي، أحمد رد عليه بابتسامة تقطع القلب لأ يا بابا، إنت نسيت إنك من خمس سنين، لما كنت محتاج فلوس عشان تسافر مع الست دي، مضيت على ورقة تنازل عن الولاية وإنك استلمت حقك في كل حاجة تخصنا وتخص أمي، والورقة دي موثقة، يعني إنت غريب عن البيت ده وعننا من زمان، وسر هند ده مش هيغير حقيقة إنك بعتنا وقبضت التمن.
أمي قامت وقفت ومسحت دموعها، وبصت لي وقالت بحدة هزت البيت هند بنتي، بنتي بقلبي وبروحي وبتعبي، واللي هيقرب منها هنهشه بسناني، وبصت لأبويا وقالت له اطلع بره يا شحتة، إنت والست اللي لميتها من الكورال دي، والمرة دي لو شوفت وشك، هخلي الملايين اللي معانا دي تصرف عليك في السجن لحد ما تموت.
أبويا بص للست اللي معاه بخيبة أمل، وهي أول ما لقت مفيش فايدة، سابته وجريت على عربية كانت مستنياها، وهو فضل واقف لوحده في الضلمة، بس وأنا بلف ضهري عشان أدخل البيت، لمحته وهو بيطلع سكين من جيبه وبيهجم على أمي وهو بيصرخ لو مش هكون ليا، مش هتكون لحد غيري!
في اللحظة اللي كان السكين فيها هيلمس
رقبة أمي، أحمد أخويا رمى نفسه قدامها زي السد، السكينة جت في كتفه والدم غرق هدومه في ثانية، الصراخ ملى المكان، وياسين وإخواتي الباقيين هجموا على أبويا وكتفوه في الأرض وهو بيخبط زي الذبيحة وبيصرخ بكلام مش مفهوم، أمي كانت بتصرخ وهي ماسكة في أحمد اللي وقع في حضنها، وأنا كنت واقفة مشلولة، حاسة إن كل حاجة بتحصل بالتصوير البطيء.
إخواتي مسكوا أبويا وربطوه في شجرة الجنينة لحد ما البوليس يجي، والست اللي كانت معاه لما سمعت السرينة، داست بنزين وهربت وسابته يواجه مصيره لوحده كالعادة، الإسعاف جت وخدت أحمد، والبيت اللي كان من شوية قاعة أفراح وعز، اتقلب لساحة دم وتحقيقات، طول الليل وأنا قاعدة في المستشفى قدام أوضة العمليات، مش عارفة أنا مين؟ ولا بنتمي لمين؟ بس طول الوقت ده، إخواتي التسعة كانوا محوطني، محسن كان ماسك إيدي، وياسين قاعد عند رجلي، ومحدش فيهم بص لي نظرة الغريبة، بالعكس، كانوا بيبصوا لي نظرة البطلة اللي أنقذت بيتهم.
أمي خرجت من عند أحمد وطمنتني إنه بقى كويس والضربة كانت سطحية، جت قعدت جنبي ومسكت وشي بين إيديها وقالت لي بصوت واطي انتي يا هند اللي ربنا بعتك ليا عشان تصبريني على سنين الذل، انتي اللي كنتي بتمسحي دمعتي وإخواتك صغيرين، الدم مش كل حاجة يا بنتي، الروح هي اللي بتجمع، في اللحظة دي المحامي دخل علينا ووشه مفسر، قعد وقالنا في خبر لازم تعرفوه، أبوكي في التحقيق اعترف بحاجة غريبة قوي، قال إن سليم المنشاوي مكنش عايز البيت عشان دين قديم، سليم كان بيدور على الخزنة اللي مدفونة تحت أرض المصنع.
كلنا بصينا لبعض باستغراب، خزنة إيه؟، المحامي كمل أبوكي وسليم كانوا سارقين عهدة آثار من عشر سنين، وأبوكي دفنها تحت خرسانة المصنع من غير ما سليم يعرف مكانها بالظبط، وعشان كده سليم كان هيموت وياخد المصنع، وأبوكي لما لقى نفسه خسر كل حاجة، قرر يبلغ عنه عشان يروحوا هما الاتنين في داهية.
ياسين وقف فجأة وقال يعني إحنا قاعدين فوق كارثة؟ المصنع ده لو الحكومة حطت إيدها عليه عشان الآثار، إحنا هنروح في
الرجلين!، أمي قامت وقفت بكل هدوء وقالت المصنع ده هيتحول لرماد قبل ما حد يحط إيده عليه، وفي اللحظة دي، سمعنا صوت انفجار هز المستشفى كلها، وبصينا من الشباك لقينا نار واصلة للسما من ناحية المصنع بتاعنا.
النار كانت بتاكل في المصنع القديم والكل واقف مذهول، بس أمي كانت واقفة ببرود غريب
وبتبص للمشهد وهي مبتسمة، بصت لي وقالت المصنع ده كان مبني على مال حرام وغدر، وكان لازم ينتهي عشان نبدأ على نظافة يا بنتي، أنا اللي بلغت المطافي إن في ماس كهربائي، والحمد لله إن التأمين هيغطي كل الخسائر وهنبني مكانه مستشفى ومدرسة للغلابة، عشان نطهر قرشنا.
بعد كام شهر، الدنيا هديت تماماً، أبويا وسليم المنشاوي بقوا ورا القضبان بياكلوا في بعض، والست اللي خربت البيت اتقبض عليها في قضية نصب تانية، وأحمد أخويا خف وبقى زي الفل، وفي يوم الجمعة، والبيت كله متجمع على السفرة الكبيرة، أمي وقفت وقالت بصوت مسمعنا كلنا أنا النهاردة عايزة أعلن حاجة قدام ولادي العشرة، قلبي دق وخفت تكون لسه شايلة هم موضوع بنت مين، بس أمي طلعت ورق رسمي من شنطتها وقالت أنا النهاردة نقلت ملكية نص ممتلكاتي وشركاتي الجديدة لاسم هند، ووثقت ورق تبني رسمي وقانوني يخليها بنتي في الدنيا والآخرة، واللي يفتح بقه بكلمة عن نسبها، ملوش مكان وسطنا.
إخواتي كلهم قاموا وقفوا وسقفوا، وأحمد قرب مني وباس رأسي وقالي إنتي ست البيت ده يا هند، ومن غيرك كنا زمانا في الشارع، إنتي أختنا الكبيرة وسندنا، في اللحظة دي حسيت إن كل الوجع اللي فات اتبخر، وإن ربنا عوضني بعيلة مبيجمعهاش مجرد دم، بيجمعها حب ملوش حدود محامي
عدت السنين، وبقينا أشهر عيلة في المنطقة، مش عشان الفلوس، عشان إيدنا الواحدة، وياسين بقى محامي كبير، وأحمد بيدير المستشفى اللي اتبنت مكان المصنع، وأنا فضلت جنب أمي، الست اللي علمتني إن الأمومة مش بطن شالت، الأمومة قلب صان وربى، وعشنا كلنا في تبات ونبات، وباب بيتنا مفتوح لكل محتاج، والحكاية اللي بدأت بكسرة ووجع، انتهت بأجمل وأقوى عيلة في مصر.
تمت 
بقلم
انجي الخطيب

 

تم نسخ الرابط