جوزي عمل حادثة كبيرة

لمحة نيوز


تركتهما في ذهولهما ودخلت لتجمع ملابسها في حقيبة قديمة، بينما كان رأفت يصيح خلفها: "إنتِ اتجننتي يا نفيسة؟ رايحة فين في نص الليل؟" لكنها لم تجب، كانت قد اتخذت قراراً بأن اليد التي تشققت لتبني، لن تبقى لتهدمها كلمات جاحدة.
## الجزء الثالث: وجه في المرآة
خرجت نفيسة من البيت والشنطة في يدها، لم تذهب لبيت أهلها فهي لا تملك من يملك لها نفعًا، بل ذهبت لزميلة كفاحها "أم سعد"، العاملة التي كانت تقتسم معها لقمة العيش في استراحات المول. قضت ليلتها هناك، فوق كنبة متهالكة، لكنها نامت لأول مرة منذ ستة أشهر دون أن تشعر بثقل الجبال فوق صدرها.
في الصباح، لم تذهب للعمل الصباحي. ذهبت للصيدلية، اشترت مرهمًا ليدها ولفتهما بشاش أبيض، وقررت أن تستثمر ما ادخرته من "بقشيش" المول في نفسها. ذهبت لمشغل صغير في طرف الحي، طلبت منهم تعلم "التفصيل" على الماكينة. كانت تملك عينًا تلتقط الموضة من واجهات المحلات التي كانت تنظفها كل ليلة، فبدأت تتعلم كيف تُحول القماش الرخيص إلى قطع فنية.
أما رأفت، ففي اليوم الأول لرحيلها، شعر بنشوة القوة. ظن أنها "سحابة صيف" وستعود لتقبل قدميه. لكن مع حلول المساء، بدأت الحقيقة المرة تصفع وجهه. لم يجد من يحضر له طعامًا، ولم يجد من يساعده في

تمرينات قدمه التي كانت لا تزال ضعيفة. الجوع بدأ يقرقر في أمعائه، والبيت الذي كان يلمع بفضل "الممسحة" صار كئيبًا، مغبرًا، ورائحته خنقة.
مر شهر، ثم شهران. تحولت نفيسة في المشغل من متدربة إلى "أسطى". يداها اللتان جرحهما الكلور، بدأت الخيوط الحريرية تداويهما. استعادت نضارة وجهها تدريجيًا، ليس بالمساحيق، بل بكرامة العمل التي كانت تذهب لجيوبها هي هذه المرة. اشترت ثوبًا بسيطًا لكنه أنيق، وذهبت للمول ليس لتمسح الأرضيات، بل لتعرض تصاميمها على صاحب محل ملابس كان يعرف أمانتها قديمًا.
وفي ليلة باردة، وبينما كان رأفت يجلس وحيدًا، وقد عادت قدمه تخذله من جديد بسبب إهمال العلاج الطبيعي لعدم وجود مال، سُمعت دقات على الباب. ظنها نفيسة عادت منكسرة، فتهيأ ليرد لها الصاع صاعين ويذلها أكثر.
فتح الباب وهو يستند على عكازه، لكنه تجمد مكانه. لم تكن نفيسة التي يعرفها. كانت امرأة تقف بشموخ، ترتدي ثيابًا نظيفة، وجهها مشرق، وعيناها اللتان كانت تهربان من عينيه صارتا تنظران إليه بإشفاق لا بكسرة.
لم تدفع الباب لتدخل، بل ظلت واقفة على العتبة، وقالت بنبرة هادئة جمدت الدماء في عروقه:
"أنا جيت يا رأفت، بس مش عشان العشا، ولا عشان أشيلك على ضهري تاني. أنا جيت أقولك إن الممسحة اللي
كانت مش عاجباك، نضفت حياتي أنا من كل حاجة كانت ملوثاها.. وأولهم أنت."
أخرجت من حقيبتها ورقة، وضعته في يده المرتجفة، وكانت الصدمة التي لم يتوقعها أبدًا.

خرجت نفيسة من البيت، والحقيبة في يدها لم تكن ثقيلة بملابسها، بقدر ما كانت ثقيلة بكسرة قلبها. لم تذهب لبيت أهلها؛ فهي تعلم أن "المرأة المطلقة أو الغاضبة" هناك عبء جديد، بل ذهبت لزميلة كفاحها "أم سعاد"، تلك السيدة التي تقاسمها وردية الليل في المول.
في بيت أم سعاد البسيط، بكت نفيسة لأول مرة منذ سنوات. بكت ليس على تعب جسدها، بل على "رأفت" الذي تمنت لو أن الحادثة كسرت قدمه فقط ولم تكسر أصله. قالت لها أم سعاد وهي تضمد جرح يدها: "اللي ينسى الفضل يا بنتي، بكرة الأيام تفكره.. والقمة اللي بتيجي بالذل، بتوقف في الزور."
في تلك الأثناء، ظن رأفت أن غياب نفيسة "فورة دم" وستهدأ. لكنه اصطدم بالواقع المر؛ فالبيت الذي كان يدار بلمسة سحرية صار باهتًا، والأولاد يسألون عن أمهم بدموع، والأهم من ذلك.. أن المال نفد. حاول رأفت أن يبحث عن عمل، لكن جسده الذي بدأ يتعافى كان لا يزال ضعيفًا، ونفسه التي اعتادت "الراحة" على حساب شقاء غيره كانت أضعف.
مر شهر، ونفيسة لم تنكسر. بمالها المدخر القليل، وبمساعدة أم سعاد، بدأت تشتري

بعض المنظفات بالجملة وتوزعها على بيوت المنطقة التي تسكن فيها زميلاتها، مستغلة خبرتها في الأنواع التي "تنظف بجد". بدأت تخلع ثوب "العاملة" وتلبس ثوب "التاجرة المكافحة". اهتمت بيدها، خف الورم، وعادت ملامح وجهها تسترخي بعيدًا عن توتر البيت وجحود الزوج.
أما رأفت، فقد وجد نفسه مضطرًا لبيع "تليفزيونه" الذي كان يسخر منه أمامها ليطعم أولاده. وفي يوم، بينما كان يسير في الشارع متوجهًا لمقر عمل قديم لعله يجد وظيفة تناسب وضعه الصحي، رأى نفيسة من بعيد.
كانت تقف أمام محل صغير، تتحدث مع صاحبه بجدية وثقة، ترتدي عباءة نظيفة ولفحة زاهية، ووجهها الذي قال عنه "ممسحة" كان يشرق بعزة لم يرها فيها من قبل. حاول أن يقترب، أن يناديها، لكن قدمه خذلته هذه المرة ليس بسبب المرض، بل بسبب الخجل.
عاد رأفت للبيت ليجد ورقة محضر من المحكمة؛ نفيسة لم ترفع دعوى طلاق، بل رفعت دعوى "نفقة" لها وللأولاد، وكأنها تقول له: "يد العسكري التي سخرت منها، هي الآن اليد التي ستحاسبك بالقانون."
جلس رأفت في الظلام، ينظر إلى كرسيه الذي كان يجلس عليه مشلولاً، ويتذكر كيف كانت تحمله.. وأدرك الآن فقط، أن نفيسة لم تكن تشيله لأنها "قوية جسدياً"، بل كانت تشيله بقلبها.. والآن، سقط القلب، فسقط هو من نظر
نفسه تماماً.
 

تم نسخ الرابط