الرجل الغني
الممرضة بصت حواليها باستغراب:
"مفيش حد دخل يا فندم… الكاميرات شغالة."
الجملة دي خلت قلب كريم يقع.
"الكاميرات؟"
جري على مكتب الأمن… وطلب يشوف التسجيل.
الدقايق عدّت ببطء وهو بيتفرج…
شاف نفسه… داخل الممر… واقف مع ليلى…
وبيتكلم…
لوحده.
مفيش أي راجل تاني في الصورة.
كريم حس بدوخة خفيفة.
لف لليلى بسرعة:
"إنتي شفتيه… صح؟!"
ليلى كانت ماسكة فيه جامد… وبتعيط:
"آه… شفته… هو… هو نفسه…"
"مين؟!"
بلعت ريقها وقالت بصوت مكسور:
"صاحب المحل…"
كريم اتصدم:
"بس… صاحب المحل كان بيجري وراكي بس!"
هزت راسها بالنفي… ووشها كله خوف:
"لا… هو مش بس صاحب محل…
هو كان بييجي البيت قبل كده…"
القلب بدأ يدق أسرع.
"كان بيعمل إيه؟"
ليلى سكتت شوية… وبعدين قالت جملة خلت الدنيا تسكت:
"كان بياخد أطفال… ويدي ماما فلوس…"
الصمت كان تقيل بشكل مرعب.
كريم حس إن الصورة بتتكسر قدامه…
الموضوع مش سرقة لبن…
دي شبكة… جريمة أكبر بكتير.
"واللبن؟"
ليلى بصت في الأرض:
"هو اللي قال لماما تجيبه منه بس…
وقال لو حد خد منه غير بإذنه… هيموت."
كريم حس ببرودة في ضهره.
في اللحظة دي… دخل الظابط بسرعة:
"فيه حاجة غريبة حصلت…"
كريم بصله:
"إيه؟"
قال بجدية:
"صاحب المحل… لقيناه مقتول من ساعة…"
كريم اتجمد:
"إزاي؟!"
الظابط كمل:
"اتقتل قبل ما البنت تسرق
كريم بص لليلى…
ليلى كانت بتبص على باب الممر…
وهمست برعب:
"أنا قولتلك… هو رجع…"
وفجأة…
باب الأوضة قفل لوحده بعنف…
وصوت خبط جاي من بره…
تِك… تِك… تِك…
نفس الصوت…
رجع تاني.كريم غمّض عينيه لحظة… وبعدين فتحهم بثبات غريب.
الصوت لسه برا…
تِك… تِك… تِك…
بس المرة دي… ما جراش… وما اتوترش.
بص لليلى وقال بهدوء:
"مفيش حاجة اسمها حد رجع من الموت… إحنا قدام حاجة أكبر… بس ليها تفسير."
مسك إيدها بإحكام… وفتح باب الأوضة مرة واحدة.
الممر كان فاضي…
لكن الصوت جاي من ناحية غرفة المراقبة.
كريم جري ناحيتها… والظابط وراه.
فتحوا الباب…
وكانت الصدمة.
نفس الراجل اللي شافوه قبل كده… واقف قدام الشاشات.
بس المرة دي… باين بوضوح.
الظابط صرخ:
"إنت! واقف مكانك!"
الراجل رفع إيده بهدوء… واستسلم.
كريم بص له بحدة:
"إنت مين؟!"
الراجل ابتسم ابتسامة باردة وقال:
"أنا مش شبح… أنا اللي بنضف ورا الناس دي."
اتضح بعدها…
إن صاحب المحل ماكانش بيبيع لبن أطفال عادي…
كان جزء من شبكة بتتاجر في الأطفال… بيستغلوا الفقر… ويشتروا سكوت الأمهات بالفلوس.
واللبن… كان وسيلة يحددوا بيها مين تابع ليهم.
وأي حد يخرج عن السيطرة…
كان بيختفي.
الراجل الغامض ده… كان شغال جوه الشبكة…
بس قرر ينتقم منهم بعد ما شاف جرائمهم.
قتل صاحب المحل…
وكان
ولما شاف ليلى سرقت اللبن… عرف إنها دخلت نفسها في خطر…
فحاول يخوفهم عشان يبعدوها.
الظابط أمر بالقبض عليه…
لكن قبل ما يتاخد… بص لكريم وقال:
"خلي بالك منهم… لأن اللي بدأ ده… لسه مخلصش."
بعد أيام…
الشرطة قدرت تفكك جزء كبير من الشبكة…
والأم دخلت عمليات وأنقذوها في آخر لحظة.
ولما فاقت…
بكت… وطلبت السماح من بنتها.
أما ليلى…
فما رجعتش للعشة تاني.
كريم أخد قرار نهائي…
وكفلها هي وإخواتها… وبدأ لهم حياة جديدة.
وفي آخر مشهد…
ليلى كانت واقفة في بلكونة البيت الجديد… شايفة الشمس…
حاجة ما شافتهاش بسلام قبل كده.
بصت لكريم وقالت:
"هو أنا خلاص في أمان؟"
كريم ابتسم وقال:
"أيوه… المرة دي بجد."
لكن…
الكاميرا تبعد شوية…
ونشوف عربية واقفة بعيد…
جواها راجل بيتكلم في التليفون:
"أيوه… البنت لسه عايشة…
ونقلوها مكان تاني…"
وقفل وهو بيبص ناحيتها…كريم كان واقف ثابت وهو سامع صوت الخبط…
بس المرة دي ما انساقش ورا فكرة “شبح” ولا حاجة.
بص للظابط وقال بحزم:
"في حد بيلعب بينا… وبيحاول يخوف البنت."
خرجوا على طول للممر… وبدأوا يدوروا على مصدر الصوت.
بعد دقايق…
اتكشف الموضوع.
في آخر الطرقة، كان في عامل لابس زي صيانة… ماسك عكاز حديد بيخبط بيه على الأرض.
أول ما شافهم حاول يهرب…
بس الظابط جري
وبالتفتيش…
لقوا معاه موبايل فيه صور لليلى… وللبيت القديم… وحتى صور للأطفال التانيين.
كريم اتجمد:
"إيه ده؟!"
الظابط قال بجدية:
"ده مش عامل… ده مراقِب."
وبالتحقيق السريع…
الحقيقة ظهرت.
صاحب المحل ماكانش مجرد راجل بيبيع لبن…
كان شغال مع شبكة بتستغل الأمهات الفقيرة…
يديهم فلوس مقابل إنهم “يسلموا” عيالهم بعد فترة.
واللبن؟
كان وسيلة متابعة… يعرفوا بيها مين لسه تحت سيطرتهم.
ولما ليلى سرقت اللبن وهربت…
بلغهم إنها خرجت عن النظام.
فالراجل ده اتبعت وراها…
يراقب… ويخوّف… لحد ما يحدد مكانها ويرجعها تاني.
الصوت… والظهور الغامض…
كان تمثيل مدروس عشان يرعبها ويسكتها.
أما الأب السكير…
فهو اللي ضرب الأم بعنف قبل كده وسابها تنزف…
وكان جزء من الكارثة اللي هما فيها.
بعد أيام…
الشرطة قبضت على باقي الشبكة…
والمحل اتقفل بالشمع الأحمر.
الأم دخلت عملية ونجت بالعافية…
ولما فاقت… انهارت من العياط واعتذرت لبنتها.
ليلى كانت ساكتة…
بس حضنتها.
أما كريم…
فما اكتفاش بالمساعدة.
كمل الإجراءات القانونية…
وكفل ليلى وإخواتها رسميًا، بموافقة الأم بعد ما حالتها استقرت.
نقلهم بيت نظيف وآمن…
ودخل ليلى مدرسة لأول مرة بشكل منتظم.
وفي يوم…
ليلى كانت واقفة قدام المراية باليونيفورم الجديد…
بصت لكريم وسألته:
"أنا
كريم ابتسم وقال:
"إنتي أحسن من كتير منهم…
عشان إنتي عرفتي تحاربي بدري."
المرة دي…
ليلى ابتسمت بجد.
من غير خوف…
من غير جري…
من غير مطر.