مخبز مروة بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

يبقى طري.. وإنت كمان بدأت تبقى زيه. لا أنكر ولا ندم.. مجرد حسابات مكسب وخسارة.
سأله عمر ومروة؟ منصور بص لي نظرة سريعة وباهتة كأنها مطر خيط مقطوع كان لازم يتربط.. ولو إنها كلفتني أكتر ما كنت متوقع.
نهى رفعت راسها بقوة وقتلت بابا كمان يا منصور؟ ابتسم ببرود أبوكي بقى وجوده مش مريح.. ودي حالة بتصيب ناس كتير.
الضابطة ليلى رفعت سلاحها منصور الدالي.. ارمي سلاحك وانزل على الأرض! منصور ضحك بسخرية.. وفجأة واحد من رجالته ضرب نار من الباب. محمود رد عليه، والرصاصة جت في الخشب، والعيال بدأوا يصرخوا تاني. عمر اتحرك بسرعة، زق مكتبة كتب كبيرة عشان تبقى ساتر لينا، وشالني أنا وحبيبة وليلى وراه.
منصور كمل كلامه وسط ضرب النار كأننا في قعدة قهوة فاكر إن الحكومة هتحميك؟ هيدفنوك تحت ورق وأسماء كدابة.. أنا بنيتك عشان تبقى ملك، مش عشان تروح تشتري خضار وتودي عيالك الحضانة.
عمر بص لحبيبة، وبعدين لليلى، وبعدين ليا. لما قام من ورا المكتبة والسلاح في إيده، افتكرت للحظة إنه هيقتل عمه.. جزء مني كان عاوزه يعمل كده.. العدل الغريزي كان بيقول لازم يموت. منصور شاف النظرة دي في عين عمر وابتسم أهو ده عمر الدالي اللي أعرفه.
بس عمر عمل حاجة مكنتش متوقعة.. رمى السلاح بعيد على الأرض. المعدن خبط عند جزمة منصور اللامعة. عمر قال بصوت ثابت زي الصخر لأ.. مفيش عمر الدالي خلاص. ابتسامة منصور اختفت.
عمر خد خطوة لقدام وإيده فاضية إنت مش هتاخد جيل تاني تلوثه يا منصور.. السلسلة انقطعت هنا. برا، صوت السرينة ملى المكان. الضباط بدأوا يحاصروا المكان من كل ناحية، ومنصور فقد السيطرة في اللحظة اللي افتكر فيها إن الخوف هو اللي بيصنع الولاء.
منصور حاول يوطي ياخد السلاح من الأرض.. نهى بشوزها الهاف بوت وبرغم كعبها العالي، شاطت المسدس
تحت الكنبة بمنتهى القوة والغل. قالت له بحرقة دم اتمتع بالسجن يا معلم!
الحراس والشرطة هجموا على منصور قبل ما يتحرك. كلبشات.. زعيق.. عساكر داخلة وخارجة.. كل حاجة حصلت في ثواني، وكأنها حلم. خلص الموضوع.. كباية مكسورة، دم على السجاد من جرح بسيط في كتف محمود، وليلى بتعيط في هدوم حبيبة. الحاجة فاطمة كانت بتصلي وبتحمد ربنا بدموع. عمر كان واقف في نص المكتب المهدود، بينهج كأنه أخيراً نزل حمل تقيل كان هيموته.
بعد تلات شهور، وتحت حماية الحكومة وبأسماء جديدة، كنا في عربية رايحة لبيت صغير في المنصورة. البيت كان بسيط، أبيض، وعادي لدرجة تخليك تحس بالرفاهية. مفيش بوابات، مفيش حراسة متنكرة في صورة جناينية.. مجرد بيت بحديقة صغيرة ومطبخ ضيق ميكفيش طلبات الحاجة فاطمة.
حبيبة قالت إن البيت ده شبه البيوت اللي في الأفلام اللي الناس فيها بتبطل تزعل. مكنتش غلطانة. عمر بقى اسمه حمزة.. وأنا بقيت مروة تاني، الاسم مكنش غريب بس وقعه بقى أحلى. حبيبة، بعد مفاوضات، وافقت يبقى اسمها حبيبة حمزة وقالت إن تغيير الاسم الأول ده نصب بس قانوني. الحاجة فاطمة بقت ست الكل وبدأت فوراً تتخانق مع بتاع الخضار في السوق على جودة الطماطم.
عمر حمزة لقى شغل عند نجار في البلد. أول مرة رجع فيها ونشارة الخشب في شعره وإيده متعورة، كنت هعيط. كان باين عليه التعب.. بس كان صادق.. كان إنسان حقيقي، القوة والفلوس الحرام مكنتش مخبية ملامحه خلاص.
أنا خلصت دراستي أونلاين، وحبيبة بدأت الحضانة، وقالت للمدرسة إن باباها كان وحش في المشاعر بس بيتحسن. المدرسة افتكرتها خيال واسع. نهى وليلى راحوا مكان تاني تبع برنامج الحماية.. مسمعناش عنهم حاجة، وده كان أأمن للكل. بس ساعات بالليل كنت بفتكر الست اللي أنقذت حياتي وهي لابسة أغلى الماركات، وأتمنى تكون
لاقية مكان هادي تطلع فيه تناكتها بسلام بقلم نرمين عادل همام
المحاكمة أخدت سنة.. عمر شهد، ونهى شهدت بالفيديو.. منصور أخد مؤبد، والباقي حصلوه. الجرايد كتبت عن سقوط إمبراطورية الدالي، وإحنا مقريناش الكلام ده.. كنا مشغولين بنرتب ميزانية الشهر، وبنتعلم إزاي نختلف من غير ما نحس إننا في حرب عصابات.
الثقة رجعت حتة حتة.. مش عشان عمر اتحايل، لا.. عشان كان بيصحى من كوابيسه ويروح يودي حبيبة المدرسة. عشان كان بيقول الحقيقة حتى لما كانت بتبينه وحش. الثقة رجعت لما حبيبة تعبت بجد في الشتا، وفضل قاعد على كرسي بلاستيك في المستشفى 16 ساعة ماسك إيدها كأنه بيأدي أقدس وظيفة في العالم.
بعد سنة ونص، طلب مني أتجوز من جديد. مش في قصر.. في مطبخنا الصغير، وحبيبة بتلون في الأوضة التانية والحاجة فاطمة بتزعق مع التليفزيون. حط علبة قطيفة صغيرة وقالي دي من غير تحالفات، من غير كدب، ومن غير أوامر من حد. ضحكت وأنا بعيط.. الخاتم كان أبسط دهب شفته في حياتي.
إنت لسه محتفظ بالعلبة دي؟ هز راسه كنت مستني اللحظة اللي أستحق فيها اللي جواها.
اتجوزنا يوم جمعة في المحكمة، قدام قاضي ميعرفش إنه بيجوز اتنين بيبدأوا حياة من فوق ركام بيت قديم. حبيبة كانت لابسة فستان أصفر، والحاجة فاطمة كانت بتزغرد بجد المرة دي.
وبعد سنتين، خلفنا تامر.. سميناه على اسم السواق اللي مات، عشان فيه ديون لازم تتسدد بالحنية. حبيبة بقت رئيسة اتحاد عمال البيت، مسيطرة على أخوها الصغير. عمر كان يرجع من الشغل، يشيل تامر، وينزل لمستوى حبيبة يسمع تقريرها اليومي الأول.. لأنه اتعلم إن تضييع التفاصيل الصغيرة هو اللي بيخلي الراجل يخسر كل حاجة غالية.
الحياة مبقتش حدوتة وردي.. كان فيه لحظات رعب لما عربية غريبة تهدي قدام البيت. كان فيه ليالي عمر بيصحى مرعوب إن
فيه حد في الجنينة. كان فيه أيام بفتكر فيها القاهرة وأحس إن الهدوء ده خنقة. بس كان فيه حاجات تانية فطار يوم الجمعة، تامر وهو نايم على صدر أبوه، وحبيبة وهي بتعلم الحاجة فاطمة إزاي تبعت استيكرز على الواتساب.
وبعد 5 سنين من يوم ما عمر دخل المحل عندي.. وصل جواب مجهول المصدر. جواه كان فيه صورة.. ليلى، كبرت وبقت عروسة عندها 10 سنين، واقفة على مسرح المدرسة كماسكة كمانجة وبتضحك ضحكة جنان. وجنب الصورة ورقة صغيرة بخط مرتب
لسه بتحب الكوكيز بالشوكولاتة.. وع فكرة.. أنا طول عمري كنت بكره لبس اللولي والبرندات التقيلة دي. خليكي سعيدة.. نهى
وقفت
قدام رخامة المطبخ ماسكة الجواب، وشمس العصر مخيرة المكان ذهب. لما عمر دخل، اديته الصورة من غير ولا كلمة. بص لوش ليلى، وغمض عينه.. مش من الحزن المرة دي.. أعتقد من الامتنان. إن فيه ناس طلعت من الضلمة دي بأسماء جديدة.. بس بقلوب لسه حية.
بالليل.. حبيبة وتامر كانوا بيجروا ورا بعض في الجنينة. الحاجة فاطمة بتدندن في المطبخ.. والسما لونها بنفسجي هادي. عمر قعد جنبي على سلم البيت ومسك إيدي
عمرك ندمتي إنك مشيتي زمان؟ بصيت لعيالي.. وللبيت البسيط.. وللحياة اللي كلفتنا كل حاجة عشان تدينا في الآخر حقيقة أحلى من أي برستيج.
لأ.. الهروب هو اللي أنقذنا. بص لي وعينيه فيها لمعة والرجوع؟ ضغطت على إيده والرجوع هو اللي كملنا.
في الجنينة، حبيبة كانت بتشرح لأخوها الصغير إزاي يحافظ على الورد. عمر ابتسم.. لسنين طويلة كنت فاكرة إن النجاة هي النهاية.. بس اتعلمت إن النجاة مجرد كوبري. الشغل الحقيقي بيبدأ بعد ما تنجو، لما تحاول تبني حياة ناعمة بإيدين لسه فاكرة شكل الحرب.
إحنا عملنا كده.. مش بجمال مثالي، ولا بشياكة أفلام.. بس عملناه بجد. ولأول مرة من وقت طويل، كانت الحقيقة كفاية جداً.

بقلم نرمين عادل همام
تمت

تم نسخ الرابط