مخبز مروة بقلم نرمين عادل همام
المحتويات
بقت معروفة لناس بيحلوا مشاكلهم بالخطف.
عمر كان واقف بعيد بيكلم المحامي بتاعه، كان باين وسط إضاءة القسم كأنه ذئب في مكتب موظفين. الضابطة كملت أنا مش بطيق عمر الدالي.. بس في النقطة دي هو معاه حق. إنتي والبنت مش هينفع ترجعوا شقتكم في عين شمس النهاردة.
كنت عاوزة أعاند وأقول كرامتي.. بس الخوف على حبيبة كان أقوى.
نروح فين طيب؟ عمر قرب ووقف بعيد عني بخطوة بيتي.
ضحكت بمرارة تقصد القصر اللي هربت منه؟
أقصد المكان الوحيد في القاهرة اللي عمي منصور ميقدرش يضربه من غير ما يبدأ حرب علنية مش هيعرف يداريها.
بصيت لحبيبة وهي نايمة.. إيدها الصغيرة مكلبشة في هدومي.. تستحق أكتر من كرامتي.
ليلة واحدة بس. الراحة اللي ظهرت على وش عمر كانت غريبة.. ليلة واحدة.
العودة للقصر الحنين المسموم بوابة القصر فتحت بهدوء.. البيت لسه زي ما هو.. بس مروة اللي كانت هنا وهي عندها 22 سنة، مبهورة بالحب والفلوس، ماتت. مروة اللي راجعة دلوقتي أم ومحاربة.
قبل ما العربية تقف، الحاجة فاطمة جدة عمر كانت واقفة على السلم. كانت أقصر من ما فاكرة وأقوى. أول ما شافتني، أخدتني في حضنها.. ريحة بخور وطبيخ وبيت بكل تعقيداته.
مروة يا بنتي.. وقبل ما أرد، شافت حبيبة.. وقالت بصوت مهزوز
يا رب.. سبحان اللي صورك يا بنتي.. دي نيرة أم عمر الله يرحمها مبعوثة من جديد.
بصيت لعمر.. كان واقف في الضلمة، بيراقبنا من بعيد، والبلونة الحمراء لسه في إيده.. مفسية شوية، زي أحلامنا اللي اتعجنت بالواقع
الصدمة خلت وش الحاجة فاطمة ينور بدموع الفرح
يا رب.. سبحان الله، دي الدالي حتة واحدة.. نفس الملامح يا مروة.
حبيبة بصت لها ببراءة وسألت إنتي تعرفيني؟ الحاجة فاطمة نزلت لمستواها بصعوبة وقالت أنا كنت مستنياكي من زمان يا قلب تيتة. حبيبة فكرت شوية، وبعدين رفعت العروسة بتاعتها دي فُلّة.. هي بتخاف من البيوت الكبيرة اللي فيها ناس غنية.
الحاجة فاطمة ضحكت من قلبها والله يا بنتي، إحنا الاتنين زي بعض في الموضوع ده.
دخلنا البيت، كان دافي ومنور، وريحته طبيعية لدرجة مربكة. ريحة تقلية، وصوت ماتش شغال في التليفزيون بعيد. وفجأة، ليلى جات تجري بالشراب في الطرقة، وقفت وبصت لنا وقالت بصوت عالي
دي طنط بتاعة البسكويت!
البنتين بصوا لبعض بنظرة الأطفال لما بيحسوا إن الكبار اتجننوا وبقوا بيعملوا مشاكل وخلاص. ليلى مدت إيدها ب أرنب لعبة تعالي أوريكي مكان البسكويت فين؟ حبيبة وافقت فوراً، وكأن الأزمة اتأجلت بسلام.
بالليل، بعد ما البنات أكلوا واستحموا وناموا في سريرين جنب بعض في أوضة الضيوف، وقفت قدام الحوض وأنا ببص للجنينة في الضلمة. دخل عمر ومعاه كوبايتين قهوة.
لسه بتشربي الكريمة زيادة. بصيت للكباية وبعدين لوشه لسه فاكر؟ عمر بص لي بصة عتاب كأني بسأل سؤال ملوش لازمة مروة!
أخدت الكباية ووقفنا في صمت تقيل.. صمت مليان كلام مش محكي. قلت أخيراً قولي حكاية نهى إيه؟
نهى تبقى بنت الحاج كامل.. شاطرة وقوية لما بتعوز، بس لا هي كانت عاوزاني، ولا طايقة الجوازة دي.
والخطوبة؟
حقيقية لدرجة الخطر، وكدابة لدرجة إنها مخلية الكل تعيس. عمي منصور ضغط في الجوازة دي بعد وفاة أبويا، قال إنها لم شمل للعائلات عشان السوق يهدى.. بس الحقيقة إنها كانت كلبش في رقبتي عشان يربطني بيهم وبالشغل.
ونهى ساعدته؟
لعبت دورها.. وأنا كمان لعبت دوري. سألته بمرارة وليه حذرتك من حبيبة؟
لأنها عرفت إن عمي صورها.. لأنها عارفة إيه اللي بيحصل للعيال في الصراعات دي.. نهى فيها عيوب كتير، بس فيه خطوط حمراء حتى هي مترضاش تعديها.
شربت القهوة وحسيت إن إيدي أخيراً بطلت تترعش بتحبها؟ لف وشه ليا بحدة لأ طبعاً.
بس كنت هتتجوزها.
كنت همضي عقد عشان أعيش.. عشان النجاة.
وأنا؟ أخد نفس عميق أنا حبيتك قبل ما أفهم الحب ده تمنه كام.. وحبيتك بطريقة وحشة.. وبعدين حبيتك من بعيد لأني افتكرت إن البعد هو أقل حاجة ميتة أقدر أقدمها لك. وطي صوته وكمل بس الإجابة هي أيوة.. لسه بحبك.
سألته السؤال اللي كان شق في قلبي بقاله 5 سنين ليه متمسكتش بيا لما كان التمسك ينفع؟ حط الكباية بتاعته بحذر لأني اتربيت وسط رجالة علموني إن الحب نقطة ضعف الأعداء بيستخدموها عشان يقتلوك.. ولما جه وقت الاختيار، صدقتهم هما وصدقت خوفي، ومصدقتش نفسي.
تاني يوم الصبح بدأ بفطار وهزار حذر.. حبيبة بدأت تنادي عمر ب يا عمو بدل بابا لأنها قالت بابا دي رتبة عالية محتاجة وقت. عمر ضحك بوجع والحاجة فاطمة دمعت.
عمر فتح ملفات، صور، تسجيلات، شركات وهمية، وتواريخ.. ورق يدفن أي حد مهما كانت قوته. كان بيجمع أدلة بقاله سنين.. ضد عمه منصور.. وضد الحاج كامل.. وضد نفسه كمان.
إنت بتبلغ عن أهلك؟ عمر ملامحه متهزتش أنا بنقذ الأهل اللي باقين لي وبحبهم.
المحامي بدأ يجهز ورق حماية الشهود.. أسماء جديدة، حياة جديدة، مفيش تواصل مع أي حد قديم. افتكرت حياتي البسيطة.. المحل.. عين شمس.. حياتي اللي بنيتها بالدموع. وبعدين افتكرت تامر اللي في الجنينة وهو بيهدد حبيبة.. مسكت القلم عشان أمضي.
الكل اتحرك.. الحراسة طلعت سلاحها، وعمر زقني اطلعي فوق بسرعة! وقبل ما نتحرك، باب المكتب اتفتح ودخلت نهى.. شعرها مبهدل، في إيدها سلاح، وفي إيدها التانية شنطة المدرسة بتاعة ليلى. ليلى كانت وراها وماسكة علبة عصير وبتبص بضيق كأن الفوضى دي معطلاها.
الكل وقف مكانه.. عمر اتجمد، والحراس رفعوا سلاحهم. نهى بصت للكل وتنهدت لو حد ضرب نار قبل ما أخلص كلامي، هزعل أوي. عمر سألها بحدة إنتي إيه اللي جابك هنا؟
عشان عمك منصور لسه قاتل أبويا حالا.
السكوت كان مرعب. نهى رمت فلاشة على المكتب وعشان يوم الجنينة ده مكنش فكرة أبويا.. دي فكرة عمك منصور.. طول عمره هو اللي بيخطط. عمر سألها بجمود فهميني.
ضحكت بسخرية ببساطة.. منصور كان بيقنع أبويا بالجوازة عشان يبقى قوي، بس الحقيقة إنه كان بيخطط يخلص علينا إحنا الاتنين أول ما نكتب الكتاب، عشان يلهف السوق لوحده وإنت تبقى تحت رجله. كملت كلامها بسرعة ومن 5 سنين لما مروة اختفت.. منصور هو اللي أمر يخلص عليها.. مش عشان بتهدد الجوازة، لا.. عشان إنت كنت بتحبها، وكان عاوز يشيل أي حاجة بتخليك إنسان من قدامه.
عمر طلع منه صوت مكنتش سمعته قبل كده.. صوت انكسار إنتي بتكدبي!
يا ريت! نهى بصت لي أنا اللي غيرت الأوامر ليلة الهروب.. أنا اللي خليت الرجالة يسيبوكي تهربي.. ده السبب الوحيد إنك لسه عايشة يا مروة.. لأني حبيت أديكي وقت، ومقدرتش أعمل أكتر من كده لأني كنت هموت معاكي.
بصيت لها بذهول.. نهى كملت وفي المحل، كنت قليلة الذوق عشان رجالة
حبيبة شدت طرف عبايتي ماما.. هي الست
الشيك دي بتساعدنا؟ رديت وأنا مش مصدقة تقريباً يا حبيبتي.
عمر سأل بصوت مهزوز وأبويا؟ منصور له علاقة بموت أبويا؟ نهى هزت راسها بأسف الفلاشة عليها تسجيلات من خزنة أبويا.. مكالمات وحسابات.. منصور هو اللي رتب لقتل أبوك، وبعدين باع لك الجوازة كأنها الحل للفوضى اللي هو اللي عملها بإيده.
عمر تراجع لورا خطوة.. اتنين.. كأن الحيطة بتقع عليه. كل حاجة اترتبت في ثانية.. منصور مش مجرد عم.. ده كان الشيطان اللي بنى سجنه حوالين عمر. المحامي مسك الفلاشة لو ده حقيقي، القوات لازم تتحرك حالاً.بقلم نرمين عادل همام
نهى قالت بجدية حقيقي.. ومنصور جاي ورايا بجيش.. وهيقنع الكل إن عمر هو اللي قتل أبويا وخطفني أنا والبنت! ليلى رفعت إيدها أنا مِتخطفتش.. أنا كنت في العربية عادي.
دي النهاية.. اللحظة اللي مروة قررت فيها إنها مش هتهرب تاني، واللحظة اللي عمر اختار فيها يكون إنسان بجد.
نهى قالت ببرود شكراً يا حبيبتي، وبعدها بثانية واحدة.. أول رصاصة خبطت في قزاز المكتب. القزاز اتدمر.. والمكان اتحول لفوضى مرعبة. الحراس بيزعقوا، محمود اتحرك كأنه آلة، والمحامية شدت الحاجة فاطمة للممر اللي ورا. حبيبة كانت بتصرخ وهي بتنادي عليا، وليلى مسكت إيدها بغريزة طفولية خلتهم حتة واحدة.
عمر كان بيزقنا ناحية ممر سري ورا المكتبة، ومسك دراعي وقالي بصوت واطي
خدي البنات واجري.. اطلعي من هنا! رديت بحدة لأ!
مروة عشان خاطري..
قولتلك لأ! كنت حاسة بطعم دم في بقي من كتر ما عضيت على شفايفي أنا مش ههرب تاني والرجالة هما اللي يقرروا كل حاجة.. كفاية سنين ضاعت في الهروب.
بص في عيني ثانية واحدة، وشفت في نظرته إنه فهم قصدي.. مش قصدي الممر، قصدي عمري اللي فات. هز راسه بالموافقة.. وفي اللحظة دي، دخل منصور من الباب المكسور كأن الأرض ملكه.
منصور كان في أواخر الستينات، شعره شايب، لابس بدلة شيك جداً، ووسيم وسامة تعبان مرعب. مبصش حتى للقزاز المكسر تحت رجليه.
عمر.. طول عمرك عاطفي، وده اللي كان هيضيعك في الآخر.
عمر وقف قدامه، وبقى ساتر
أبوك كان بدأ
متابعة القراءة