بنتي عندها خمس سنين
قلت له بصوت غريب عني لدرجة إن صوفي بصت لي باستغراب: "ما تلمسهاش." هو نزل الكوباية وفتح إيديه بحركته المعتادة، حركة الراجل العاقل المتزن اللي بيقنع الجيران والمدرسين والدكاترة برزانته، وقال لي: "أنتِ فاهمة غلط، ده دواء.. الدكتور قال ممكن نجرب حمامات طويلة عشان تسترخي وعشان موضوع الإمساك."
كنت عايزة أصدقه ولو لثانية، وكرهت نفسي وكرهته إنه عارف يضربني في نقطة شكي وضعفي. ، مكنتش باصة لأبوها خالص، كانت مستخبية
فيا بمنتهى اليأس، وهنا أملي كله انهار.
سمعنا صوت سرينة البوليس من بعيد، ملامح مارك اتغيرت، مش للندم، لا.. لحاجة أوحش: حسابات باردة وسريعة. سألني: "أنتِ كلمتِ البوليس؟" ما ردتش، مكنش فيه داعي. بدأ يقرب مني وهو فاتح إيديه كأنه بيهديني، كأني أنا اللي فاقدة أعصابي، وقال لي: "فكري كويس يا إيلينا، اتهام زي ده ملوش رجوع، لو قلتِ كلمة غلط هتهدي بيتنا للأبد."
كلمة "بيتنا" خبطت فيا زي باب قديم بيترزع. سنين كانت هي الحجة لكل حاجة: استحملي، سامحي، بلاش فضايح، خلي البيت واقف حتى لو مسوس من جوه. قلت له: "بيتنا متهدش دلوقتي، هو اتهد لما علمت بنتي تخاف منك."
البوليس وصل، وشيلت صوفي ونزلت بيها وأنا حاسة بنفَسها المخطوف في رقبتي. فتحت الباب لظابطين ومعاهم مسعف، ملقوش داعي
صوفي اتشبثت فيا أكتر وخبّت وشها في شعري. المسعف لاحظ ده فوراً وأخدنا على جنب. الظابط سأل مارك يبعد، والتاني طلع الحمام بالكشاف. سمعت صوت درج بيتفتح، وصوت السيفون، والتايمر اللي سكت أخيراً.. وفي اللحظة دي فهمت إن الوحشية ممكن تعيش وسط أبسط حاجاتنا اليومية.
مارك بدأ يتكلم كتير، وده خوفني أكتر، لدرجة إنه طلع وصولات ومكملات معدنية وبيقول إن صوفي عندها قلق وهي نايمة. بس الظابط نزل ومعاه كيس بلاستيك فيه الكوباية، ومعلقة قياس، وبرطمان ملوش تكت، والتايمر. وقال
لمارك: "محتاجينك معانا بره عشان نوضح شوية حاجات."
مارك بص لي بصه عمري ما هنسها، مكنش فيها حب ولا رعب، كان فيها "غدر"، كأن الغلط الوحيد اللي عملته هو إني كشفته. قال لي: "لو عملتِ كدة، صوفي هتكبر وهي فاكرة أبوها وحش على الفاضي، وأنتِ اللي هتشيلي ذنب ده."
في اللحظة دي شفت سنين جوازنا بمنظور تاني: سيطرته، رغبته إنه يفضل معاها لوحده، عزله ليا عن أصحابي وأختي بحجة إنهم "أشرار" أو "نكدية". المسعف أخدنا على الإسعاف، والجيران بدأوا يبصوا
في المستشفى، الأخصائية الاجتماعية قالت لي إنهم هيعملوا فحص طبي شامل، وطلبت مني أجاوب بدقة حتى لو الوجع كبير. صوفي نامت من التعب، وفي الطوارئ لما الممرضة حاولت تاخدها عشان الفحص، صوفي صرخت "ما تسيبينيش"، جملة قطعتني زي القزاز.
قعدت في الطرقة لوحدي، مكسوفة من نفسي إني ما شفتش ده من بدري، إني دافعت عن راجل بيتحقق معاه دلوقتي. بس الأخصائية قالت لي كلمة ريحتني: "مساعدة بنتك ممكن تبان إنها بتوجعك دلوقتي، بس ده الطريق الوحيد."
أختي جت أول ما كلمتها، من غير أسئلة. والظابط بلغني إن مارك محبوس حالياً ومش هيرجع البيت الليلة دي. لما طلع الصبح، صوفي خرجت وهي لابسة غويشة المستشفى البلاستيك، سألتني في العربية بصوت واطي: "هو بابا زعلان مني؟" قلبي اتكسر.. قلت لها: "أنتِ ما عملتيش حاجة غلط يا حبيبتي، ده مش ذنبك أبداً." قالت لي: "بابا قال لو حكيت، أنتِ هتزعلي والبيت هيتفكك."
قعدنا عند أختي، وصوفي نامت، وأنا فضلت صاحية. موبايلي مكنش بيبطل رن من
أهلي وأهل مارك. أمي قالت لي في التليفون: "استني لما تتأكدي بلاش فضايح وتدمري حياة الراجل." الجملة دي جننتني.. نستنى إيه؟ نستنى لما طفولة صوفي تضيع أكتر؟
الأيام اللي بعدها كانت ورق، وتحقيقات، وكلام مع دكاترة. مارك خرج بضمان
رحت البيت مع ظابط عشان ألم شوية هدوم، ريحة البيت كانت لسه منظفات وفطار، وده كان المرعب.. إن البيوت اللي بيحصل فيها كوارث بتبان عادية جداً. في الحمام، لقيت في الدولاب اللي تحت الحوض كوبايات تانية ونوتة صغيرة فيها مواعيد وجرعات.. الظابط صور كل حاجة وأنا سندت على الحيطة عشان ما أقعش.
بدأت جلسات علاج لنفسي ولصوفي. صوفي بدأت ترجع تغني وتلعب، بس المية كانت لسه مشكلة، كانت بتخاف من البانيو ومن قفل الأبواب. كنت بشطفها بكوز مية وهي قاعدة جنبي، ونبني الثقة حتة حتة. في ليلة سألتني: "أنا كنت فاكرة إنك مش شايفة عشان مش عايزة تشوفي." ما دافعتش عن نفسي، قلت لها: "أنا آسفة إني اتأخرت، بس دلوقتي أنا شيفاكي، وعمري ما هغمض عيني تاني."
القضية لسه مستمرة، ومارك لسه بيحاول يطلعني "أم فاشلة ومريضة"، والعدالة مش دايماً بتمشي بالسرعة اللي بنتمناها. بس أنا بقيت أنام وأنا مرتاحة في شقتي الصغيرة الجديدة، مفيش أسرار، ومفيش أبواب مواربة. اتعلمت إن حماية اللي بنحبهم أوقات تمنها إننا نحرق النسخة المريحة من حياتنا
نعيش الحقيقة.
تمت