وقت الفطار

لمحة نيوز

وقت الفطار، بنتي الصغيره اللي عندها 4 سنين قعدت بالغلط في مكان بنت أختي وبدأت تأكل.. أختي شافتها، راحت رامية الطاسة السخنة في وشها، وبنتي فقدت الوعي. لما سمعت الرزع وجريت لتحت عشان أواجهها، لقيت أمي بتقولي كفاية صريخ بقى! خديها وامشي من هنا.. أنتي بوظتي القعدة! أخدتها وجريت على المستشفى، و..
الذكرى دي بتجيلي زي الشظايا.. زي إزاز مكسور بيغرز نفسه في صدري.
الصباح ده بدأ زي أي تجمع عيلة عادي. شمس المنصورة كانت داخلة بالراحة من ورا الستائر في بيت أهلي، والمكان كله كان هادي. ريحة الفطار فطير مشلتت، وبيض، وشاي بالنعناع، وعسل ريحة مريحة كنت عارفاها من صغري، وصوت ضحك العيال كان مالي البيت.
بنتي مريم، ال 4 سنين، كانت بتنطط في الطرقة وبتغني أغنية مألفاها عن السحاب. صوتها كان فيه براءة تخليك تحس إن مستحيل أي أذى يمسها. كنت فوق في الحمام بخلص لبسي.. وفجأة حصل اللي حصل. صوت خبطة معدن قوية شقت سكون البيت. مكنش مجرد صوت عالي.. كان صوت كارثة. قلبي انقبض قبل ما عقلي يستوعب. حسيت إن فيه حاجة مرعبة حصلت. نزلت السلم جري وقلبي بيدق بجنون، وصوت الدم بيصفر في وداني.
ولما وصلت.. اتسمرت مكاني. مريم كانت

مرمية على الأرض، جسمها الصغير مكمش ومفيش حركة. نص وشها كان أحمر بطريقة تخوف، والفقاقيع بدأت تظهر على جلدها مكان الطاسة السخنة. الطاسة كانت مرمية جنبها، والأرض غرقانة بقايا بيض ومنظر يصدم.
حطيت إيدي على بوقي.. لا.. لا.. لا..
أختي سارة كانت واقفة على بعد خطوتين، مربعة إيدها، ووشها بارد.. هادية برود يرعب. حسيت إني عايزة أرجع. فيه بني آدم يعمل كدة..؟ رميت نفسي على ركبي جنب بنتي، شلتها بحذر وبدأت أنادي عليها زي المجنونة. جلدها كان نار.. محروق. شعرها كان ملزق في بقايا الأكل والعرق. مكنتش بترد.
أمي، أمينة، ظهرت عند الباب بروب النوم، وعلى وشها ضيق وكأن اللي حصل ده مجرد دوشة ضايقتها. بصت لي ثواني وقالت بكل برود
يا نورا، بطلي صريخ بقى. خديها وامشي من هنا.. أنتي بوظتي الجو!
اتصدمت. بنتي لسه متعرضة لهجوم.. وكل اللي هاممها هو الجو. دخل أبويا، حسن، من المطبخ وماسك كوباية الشاي وكأن مفيش حاجة حصلت. حتى مجريش. هز راسه بس وقال
فيه عيال كدة.. بتيجي تبوظ الصبح الهادي.
أما أختي، فمكانتش ندمانة خالص. بنتها ليلى كانت لسه قاعدة على الترابيزة. سارة بصت لي وقالت ببساطة
قعدت مكان ليلى.. وبدأت تأكل من طبقها.

بالبساطة دي.. من غير ذرة ندم. وكأن ده مبرر للي عملته في طفلة 4 سنين. شلت مريم بين إيديا. كانت خفيفة قوي.. وساكتة قوي.. صمت يخوف. كنت عايزة أصرخ في وشهم كلهم، بس أدركت إني مش وسط عيلة.. أنا وسط وحوش ممكن يأذوا طفلة ويكملوا فطارهم عادي.
قلت وصوتي بيترعش
أنا رايحة المستشفى.. ولازم حد يبلغ البوليس.
أمي ضحكت بسخرية وقالت
متكبريش الموضوع يا نورا. سارة اتعصبت بس.. وأنتي عارفة الأم لما تدافع عن بنتها!
تدافع..؟ ده مكنش دفاع. ده كان إجرام. مردتش عليها. مكنش فيه كلام يتقال. الطريق للمستشفى في المنصورة كان زي الحلم. إيديا كانت بتترعش جامد. حضنت مريم وأنا بعيط وبهمس لها
أنا معاكي يا حبيبتي.. خلاص.. أنتي في أمان.. كل حاجة هتبقى كويسة.
كنت مراقبة نفسها وهو طالع ونازل، وبشكر ربنا على كل نَفَس.. بس مكنتش بتفتح عينيها. في الطوارئ، الدكاترة عرفوا فوراً إن الحالة خطيرة. كل حاجة حصلت بسرعة. ممرضات، سراير، أسئلة، وإيدين خبيرة بتتحرك. بعد أقل من نص ساعة، نقلوها قسم حروق الأطفال.
الدكتورة سلمى وقفت جنبي وقالت بهدوء
مريم عندها حروق من الدرجة التانية والتالتة في حوالي 12 من جسمها، أكترها في الوش والرقبة والكتف.
هنضطر نخليها تحت مهدئات دلوقتي.. الوجع هيبقى صعب قوي لو صحيت.
كلامها كان واضح.. بس كسرني. مسكت إيد بنتي الصغيرة ومكنتش عايزة أسيبها. راسها وكتفها كانوا متغطيين بالشاش. المحاليل بتنقط بالراحة في دراعها الصغير. صوت الأجهزة كان منتظم.. بارد.. بس كان الحاجة الوحيدة اللي بتطمني إنها لسه هنا.. لسه بتقاوم.
موبايلي مكنش بيبطل رن. بصيت فيه كانت الساعة 11 الصبح 17 مكالمة من أمي، و رسالة من أختي. كلهم بيقولوا نفس الكلام إني ببالغ.. وبفتعل مشكلة.. وإني بخرّب العيلة عشان خاطر حتة غلطة خرجت عن السيطرة.
قعدت جنب السرير، بمشي إيدي بالراحة على دراع مريم، وبعتذر لها بصوت واطي
أنا آسفة.. آسفة إني جبتك لعيلة زي دي.. آسفة إني صدقت إنهم أمان.
الأوضة كانت نضيفة وريحتها مطهر.. بس أنا من جوه كنت رماد. المستشفى بره كانت زحمة وحركة.. بس عالمي أنا كان اتهد. مكنش الأسوأ اللي عملته سارة بس.. الأسوأ كان رد فعلهم. برودهم. ودفاع أمي عن الغلط. وكلام أبويا.. وكأن بنتي مجرد إزعاج.
مش قادرة أنسى شكل الطاسة على الأرض.. ولا وش أختي.. ولا صوت أمي وهي بتقول بوظتي الجو. وكأن طفلة محروقة أقل أهمية من فطار العيلة. ميلت وحطيت
راسي على إيد مريم، وحسيت
تم نسخ الرابط