جوزي وبابا ٢
نزلت السلم وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، مش من الضعف، لا.. ده كان زلزال وبيهد كل اللي فات عشان يبدأ من جديد. إخواتي كانوا ماشيين حواليا زي الحرس، محمود حاطط إيده على كتفي وساندني، بس أنا كنت حاسة إني مش محتاجة سنده.. أنا كنت محتاجة أخطط.
وصلنا بيت بابا، أول ما شوفت وشه، ملامحه اللي كبرت فجأة من الهم، قلبي وجعني. مكنش يعرف لسه موضوع الخطوبة، كان فاكر إنه مجرد خلاف وهيطيب خاطري بكلمتين. قعدت قدامه وخدت نَفَس طويل وقلت له: "يا بابا، اللي بيبني على غش بيقع.. وجوزي قرر يهد البيت كله عشان يبني قصره الجديد على جرحي".
محمود حكى له كل اللي حصل، وبابا فضل ساكت، السكوت اللي يخوف، السكوت اللي بيقول إن فيه بركان هيطلع. فجأة بابا بص لي وقالي: "الـ 50 ألف اللي إدتهملوا يا بنتي، مكنوش من جيبي.. دول كانوا نصيبك في ورث أمك الله يرحمها، وأنا كنت كاتب بيهم وصل أمانة عليه وقتها كضمان، بس قولت مش هطلعه غير لو غدر.. والظاهر
عيني برقت.. مكنتش أعرف إن بابا مأمنني كدة. وفي وسط ما إحنا بنتكلم، تليفون محمود رن، ورد وبعد ثواني وشه اتقلب ألوان. قفل وبص لي وهو مذهول وقال: "عارفين مين العروسة الجديدة اللي 'الباشا' خطبها عشان تبقى واجهته الاجتماعية؟"
سكتنا كلنا، وكمل هو بمرارة: "بنت (السلحدار).. المنافس الأكبر ليه في السوق، اللي كان جوزك بيحاول يكسره من سنين! ده مش بس بيتجوز عليكي، ده بيبيع نفسه لعدوه عشان يفضل فوق".
ضحكت بوجع وقلت: "بيبيع نفسه؟ ده فاكر إنه كدة وصل.. بس هو ميعرفش إن بنت السلحدار مش محتاجة 'واجهة'، دي محتاجة 'سلم' تدوس عليه عشان تطلع، وأول ما يخلص غرضها منه، هترميه زي ما رماني".
وقفت وقلت بقوة: "يا محمود، مش عايزين وصل الأمانة دلوقتي.. خليه يشرب الشهد اللي فاكره جاي. أنا عايزة ملفات 'المقاولات' القديمة اللي كانت عندي في البيت، الصفقات اللي كان بيخليني أراجعها معاه بالليل.. أنا عارفة الثغرات اللي في شغله
السكوت اللي عمّ بيت بابا مكنش سكوت استسلام، ده كان السكوت اللي بيسبق العاصفة. بابا دخل أوضته وخرج ومعاه صندوق خشب قديم، فتحه وطلع منه ورقة صفرا مطوية بعناية.. وصل الأمانة. بص لي وقال وعينه مليانة حزن وقسوة في نفس الوقت: "الورقة دي يا بنتي توديه ورا الشمس، بس أنا مش عايز سجن.. أنا عايز حقك وحق حرقت قلبك وقلبي يرجع تالت ومتلت، وعايزه يشوف بعينه إن اللحم اللي كله من خيرنا مبيثمرش فيه غير النذالة".
خدت الورقة من إيده، ملمسها كان خشن وزي النار، بس حسيت بأمان غريب وأنا ماسكاها. بصيت لمحمود وقلت له: "محمود، أنت قولت إن العروسة الجديدة بنت السلحدار.. المنافس الأكبر ليه. تفتكر السلحدار يعرف إن 'الباشا' مديون بملاليم، وإن نجاحه ده كله قايم على شقايا وتعب أخواتي؟"
محمود فهم قصدي وابتسم ابتسامة خبيثة: "السلحدار ميعرفش غير
قلت ببرود قاتل: "تمام.. يبقى الخطة هتتغير. إحنا مش هنستخدم وصل الأمانة دلوقتي خالص. إحنا هنسيبه يغرق في التجهيزات، يشتري الشبكة الألماظ، ويحجز القاعة الفخمة، ويستلف عشان يبيض وشه قدام السلحدار وبنته.. هنسيبه يمد رجله على قد لحافه اللي هيطلع قصير أوي في الآخر".
فتحت تليفوني ودخلت على الإيميل القديم اللي كنت براجع منه شغل الشركة، ونزلت ملفات "المقاولات" اللي كنت عيناها.. الثغرات اللي في العقود، التوريدات الوهمية، واللعب في المواصفات اللي كان بيعمله من ورايا عشان يوفر فلوس.
بصيت لإخواتي وبابا وقلت: "أنا مش ههده بس.. أنا همحيه من السوق. هخليه يدخل بيت السلحدار وهو فاكر إنه عريس، ويخرج منه وهو مديون، ومفضوح، ومطلوب للتحقيق.. هخليه يعرف إن 'عايدة' الواجهة القديمة، هي اللي كانت ماسكة خيوط اللعبة كلها من الأول، ودلوقتي..