خناقة الهوانم
أنا إنجي.. ويمكن أغبى حاجة عملتها في حياتي إني فكرت إن الحب ممكن يتبني على الخداع البسيط، أو إن راجل يحبك وهو فاكر إنك أقل منه.. بس الحقيقة اللي اتعلمتها كانت أغلى درس في حياتي كلها اللي يبيعك عشان الفلوس، أول ما يعرف حقيقتك.. هيرجع يشتريك وهو بيترجى.
كل حاجة بدأت من 6 سنين.. لما قررت أهرب من حياتي الحقيقية. إنجي هانم الإمبراطور، الوريثة الوحيدة لأكبر سلسلة مطاعم 5 نجوم في آسيا كلها، والاسم اللي لو اتقال في أي اجتماع اقتصادي الناس تقوم واقفة. بس أنا كنت مخنوقة من القصور والحراسة والكلام اللي كله مصلحجية. كنت عايزة أعيش مرة واحدة كإنسانة عادية، أطبخ لنفسي، أخرج من غير حراسة، وأحب حد يحبني مش علشان أنا مين، لكن علشان أنا أنا بس.
وفي يوم بسيط جدًا، اتقابلت ب مازن. كان شكله عادي، موظف في شركة استيراد وتصدير، كلامه بسيط وضحكته بسيطة، وعيونه فيها حاجة خلتني أصدق إنه مختلف. أول مرة قال لي أنا مش بحب الفلوس، أنا بحب البنت اللي تخليني أضحك، قلبي وقتها صدقه بدون ما يفكر.
عيشت معاه سنين وأنا متخفية. شقة صغيرة في حي متوسط، أكل بسيط، حياة أبسط. كنت بشتغل من غير ما أقول له إني بملك نص الشركات اللي هو بيشتغل فيها أصلاً. كنت بدفع فواتيره صدفة، وبساعده يترقى بالصدفة، وهو فاكر نفسه عبقري طالع لوحده في السلم.
بس مع الوقت.. مازن اتغير. أو يمكن الحقيقة كانت بتظهر واحدة واحدة. بدأ يبص للناس اللي أغنى، بدأ يقارن، بدأ يحس إن حياته أقل. وبدل ما يشوفني أنا السند، بدأ يشوفني عبء. لحد اليوم اللي قال لي فيه الجملة اللي كسرت حاجة جوايا
إنتي بيئة يا إنجي.. أنا محتاج واحدة ترفعني، مش واحدة تسحبني لتحت.
ضحكت ساعتها.. مش من الكلمة، لكن من السذاجة. هو مش فاهم إنه أصلاً عايش في مستوى أنا اللي رافعهوله من غير ما يحس.
سابني بعدها بشهر. أو بمعنى أدق رماني. وراح اتجوز سهام، بنت شكلها صاخب، بتحب الفلوس والبرستيج، وبتقيس الناس بالمظاهر. وبدأوا يعيشوا الحياة اللي هو فاكر إنها القمة.
لكن أنا مكنتش زعلانة. أنا بس قررت أرجع.
رجعت إنجي هانم الإمبراطور.
بس مش رجوع عادي.. رجوع صامت.
في يوم، قررت أروح مطعمي الكبير لوميير في القاهرة، المطعم اللي اسمه بيتقال في أهم المجلات. دخلت بهدوء، لبسي بسيط جدًا، جينز وقميص أبيض، شعري مرفوع من غير أي مبالغة. مفيش أي حد في المكان كان متوقع إني أنا صاحبة المكان اللي بيقف عليه كبار المستثمرين.
وقتها، الباب اتفتح.
ودخل مازن.
ومعه سهام.
هو لابس بدلة غالية بشكل مبالغ فيه، وهي لابسة فستان أحمر وصوت كعبها سابقها. كانوا بيتفرجوا على المكان كأنهم ملوك داخلين قصر جديد.
عينه جات في عيني.
ثانية واحدة بس.. وبعدين وشه اتغير.
سهام لاحظت. ابتسمت ابتسامة مستفزة، وقربت منه وهمست بحاجة في ودنه، وبعدين سحبهالي هما الاتنين.
وقفت قدامي وقالت بصوت عالي
ياااه.. هو في شحاتين بيدخلوا هنا؟!
المكان سكت.
مازن حاول يضحك
دي مراتي السابقة.. متشغليش بالك.
كلمة مراتي السابقة كانت زي السكينة.
لكن اللي كان جاي بعدها كان أقوى.
سهام مسكت كوباية مية ساقعة من الترابيزة اللي جنبي، وبدون أي تردد، رمتها في وشي.
المية نزلت على شعري وهدومي، والناس اتجمدت.
مازن ما اتحركش.
بس ابتسامته كانت بتتهز.
سهام صرخت
اطردوها بره! دي بتلوث المكان!
واحد من الجرسونات اتحرك فعلاً.. قرب مني.
وفي اللحظة دي، الباب
خرج مدير المطعم بنفسه.
وشه اتغير أول ما شافني.
الجملة اللي قالها خلت المكان كله ينهار
إنتوا مجانين؟! دي السيدة إنجي هانم الإمبراطور.. صاحبة المجموعة اللي المطعم ده تابع لها بالكامل!
السكوت اللي حصل بعدها كان مرعب.
الجرسون رجع خطوة لورا.
سهام ضحكت ضحكة مش مصدقة
إنت بتهزر صح؟ دي؟!
لكن المدير كمل
كل السلسلة دي ملكها.. وكل اللي أنتم واقفين فيه ده، هي اللي موقعة عقده.
مازن حس إن رجليه بتسحب منه الأرض.
بص لي لأول مرة بجد.. مش كإنسانة كان عايش معاها.. لكن كحقيقة كان هرب منها.
همس
إنجي إنتي بتهزري صح؟
أنا مسحت المية من وشي بهدوء، وبصيت له لأول مرة من غير أي مشاعر
أنا عمري ما بهزر يا مازن.. أنت اللي كنت عايش في كذبة.
سهام رجعت لورا وهي مش مستوعبة
يعني إيه؟!
المدير رد
يعني الست اللي دلقتي عليها مية.. هي اللي بتدفع مرتبك أنتِ وهو.. وهي اللي ممكن توقف حياتكم كلها دلوقتي.
في اللحظة دي.. الدنيا اتقلبت.
مازن وقع على الكرسي.
سهام عينيها دمعت بس مش من الندم.. من الخوف.
لكن أنا كنت هادية.
مش عايزة صريخ.
مش عايزة انتقام صاخب.
أنا كنت عايزة عدالة باردة.
قرب مني مازن وقال بصوت مكسور
أنا أنا كنت فاكر إنك عادية.. أنا كنت غبي.. سامحيني..
ضحكت.
ضحكة قصيرة.
غبي؟ لا يا مازن.. أنت كنت أناني.. وده أسوأ.
سهام حاولت تتدخل
أنا معرفش حاجة! هو قال لي إنها إنها مش مهمة!
بصيت لها
وأنتِ صدقتي؟ يبقى أنتِ مش بس قليلة أصل.. أنتِ كمان غبية.
رفعت إيدي بهدوء، والمدير فهم الإشارة.
في ثواني، الأمن بدأ يتحرك.
مازن وقف
إنجي استني.. أنا لسه بحبك!
وقفت لحظة.
بصيت له.
وبعدين قلت
أنت ماحبتنيش.. أنت
سكت.
واتسحب برا المطعم.
سهام كانت بتتجر وهي بتصرخ.
والمكان رجع هادي.
بس أنا كنت عارفة إن ده مش النهاية.
ده البداية.
بعدها بأيام، مازن حاول يرجع تاني. بعث رسائل. اتصل. حاول يقابلني. الشركة بتاعته بدأت تقع لأن كل العقود اللي كانت بتقوم عليها حياته كانت مرتبطة بيا من غير ما يعرف.
وفي يوم، طلب يقابلني.
وافقته.
قعد قدامي في مكتب زجاجي عالي، شايف منه المدينة كلها.
كان شكله مكسور.
عايز إيه يا مازن؟
قال بصوت واطي
عايز فرصة تانية
سكتت.
بعدين قلت
أنا ادّيتك فرصة 6 سنين.. وأنت ضيعتها في يوم واحد.
دمعت عينه
أنا اتغيرت
ابتسمت
التغيير مش بييجي لما تخسر كل حاجة.. بييجي لما تعرف قيمة اللي كان معاك.
وقفت.
وأنت ماعرفتش.
مشيت.
سابته ورايا.
ومن الشباك شافني ماشية.. بس المرة دي، مش الست البسيطة اللي كان يفتكرها.
دي كانت إنجي هانم الإمبراطور اللي رجعت تاخد مكانها الطبيعي.
والدرس الأخير اللي اتعلمه مازن.. إنه ممكن تخسر أعظم حاجة في حياتك، بس بعد ما تبوظها بإيدك.
رجعت من الاجتماع وأنا فاكرة إن القصة اتقفلت عند انتهت القصة بس واضح إن في ناس عمرها ما بتعرف معنى النهاية، خصوصًا لما يكون جواها طمع وكرامة مكسورة.
أنا إنجي هانم الإمبراطور.. افتكرت إن أكبر معاركي كانت إني أواجه مازن وسهام في لحظة الإهانة في المطعم، لكن اللي جاي كان أخطر بكتير لأن الحرب المرة دي مكنتش في مكان عام ولا قدام الناس، دي كانت حرب تحت الأرض.
بدأت الحكاية في صباح هادي جدًا لحد ما سكرتيرتي دخلت عليا بسرعة غير معتادة، وقالت
فيه حاجة غريبة بتحصل في شكاوى مالية جاية
بصيت له بهدوء بس جوايا أول شرارة غضب اشتعلت.
مين ورا ده؟
سكت