العذراء ذات التسعه وثلاثين عاما
تصل إلى هذه النقطة لا مجال للنقاش.
حاول أن يعترض لكن الكلمات لم تخرج.
اكتفى بهزة رأسٍ بطيئة وغادر.
والصدمة تسبقه.
بعد ثلاثة أيام، عاد فليتشر بالأخبار. كان هناك عبد يُدعى صموئيل ينتظر تنفيذ حكم الإعدام في سجن المدينة. كان يبلغ من العمر ستة وعشرين عامًا، وقد اتُّهم بضرب مشرفه الذي حاول الاعتداء على أخته.
المشرف نجا، لكنه طالب بشنقه.
وكما يحدث دائمًا عندما يرفع رجل أسود يده على رجل أبيض، تم حسم القضية بسرعة
لم يُمنح دانيال أي فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه، لم يكن هناك محامٍ ولا وقت ولا حتى نية لسماع قصته، وكأن الحكم قد كُتب قبل أن يتكلم، وكان مصيره محسومًا منذ البداية حتى تدخلت إليانا.
دفعت مبلغًا كبيرًا للسلطات مقابل نقل ملكيته قبل تنفيذ الحكم، وهو أمر نادر لكنه لم يكن مستحيلًا في ذلك الزمن طالما أن المال حاضر، فبالنسبة لهم لم يكن سوى رجل محكوم عليه بالموت، مجرد اسم في سجل، ولن يفرق إن انتهى اليوم أو بعد أيام قليلة.
نُقل دانيال إلى قصر إليانا مكبل اليدين، خطواته ثقيلة وعيناه يقظتان، حذرًا وغاضبًا وممتلئًا بأسئلة لا تنتهي، لم يفهم لماذا أُخرج من زنزانته، ولا لماذا تأجل موته، ولا لماذا وجد نفسه في هذا المكان الغريب، كان يتوقع قسوة جديدة لكنه لم يجدها.
استقبلته إليانا بهدوء غير مألوف، هدوء لا يحمل تهديدًا ولا قسوة، نظرت إليه طويلًا، نظرة لم
قالت له بصراحة
لن أؤذيك لدي طلب واحد فقط، وبعده ستكون حرًا.
نظر إليها وكأنه يحاول أن يكتشف الفخ المخفي في كلماتها، الحرية لم تكن شيئًا يُمنح بلا ثمن، ليس في عالمه على الأقل.
لم تشرح كثيرًا، لكنها اعترفت بشيء لم تقله لأحد من قبل، قالت إنها لا تريد أن تموت دون أن تشعر بأنها عاشت حقًا، لا تريد أن ترحل وهي غريبة عن أبسط المشاعر التي يتحدث عنها الجميع، وأخبرته أنها اختارته لأنه دافع عن أخته، لأنه لم يكن جبانًا، ولأنه الوحيد الذي رأت فيه شيئًا حقيقيًا وسط عالمٍ مزيف.
في الأيام الأولى، كان كل شيء صامتًا ثقيلًا متوترًا، أعطته غرفة وطعامًا وتركته وشأنه، لم تقترب، لم تطلب، لم تفرض، وهو لم يثق، ظل مستعدًا للأسوأ في كل لحظة.
لكن الصمت لم يستمر.
في إحدى الليالي، جلسا لأول مرة وجهًا لوجه دون حواجز، لم يكن هناك أمر ولا طلب، فقط حديث بسيط بدأ بسؤال عابر ثم لم يتوقف.
تحدثت هي أكثر مما توقعت عن نفسها، عن طفولتها، عن الوحدة التي كبرت معها، عن الخوف من أن تعيش دون أن تُرى، وتحدث هو بحذر في البداية، ثم بانكسار لم يستطع إخفاءه، عن حياته، عن القهر، عن الشعور الدائم
لم يكن بينهما شيء واضح في البداية، لا ثقة كاملة ولا ارتياح، لكن كان هناك شيء يتكوّن ببطء شيء يشبه الفهم.
ومع الأيام، تغيّر كل شيء دون أن يلاحظا اللحظة التي بدأ فيها التغيّر.
صار ينتظر صوتها حين تناديه،
وصارت تنتظر وجوده في الغرفة، حتى لو لم يتحدثا.
لم تعد الأحاديث مجرد كلمات،
بل أصبحت ملاذًا يهربان إليه من كل شيء.
كانا يجلسان لساعات، أحيانًا يتحدثان، وأحيانًا يكتفيان بالصمت، لكن الصمت هذه المرة لم يكن مؤلمًا بل مريحًا، كأن وجود الآخر يكفي.
بدأ دانيال يراها بعيدًا عن كونها السيدة التي اشترته، رآها امرأة خائفة من النهاية، امرأة لم تُعطَ فرصة لتعيش، وبدأت إليانا تراه ليس كفرصة أخيرة بل كشخص، كإنسان له وجع حقيقي، وصوت، وكرامة.
كانت تضحك أحيانًا ضحكات خفيفة مترددة، كأنها تتعلم كيف تضحك لأول مرة، وكان هو يبتسم دون أن يشعر، ابتسامة لم يعرفها من قبل، بسيطة لكنها صادقة.
اقتربت المسافة بينهما، ليس فجأة، بل تدريجيًا، نظرة أطول كلمة أهدأ حضور لا يحتاج تفسيرًا، حتى لم يعد واضحًا متى تحولت الصفقة إلى علاقة، ومتى صار كل منهما مهمًا للآخر.
لم يكن ما بينهما صاخبًا، لم يكن شغفًا مشتعلًا كما في الحكايات، بل كان أعمق أهدأ وأكثر صدقًا، كان شعورًا بأن هناك من يراك أخيرًا دون خوف، دون مصلحة، دون قناع.
ولأول مرة في حياتها، لم تشعر إليانا بأنها
ولأول مرة في حياته، لم يشعر دانيال أنه مجرد شيء.
لكن الوقت لم يمنحهما فرصة كافية.
بعد شهرين، بدأ المرض ينهش جسد إليانا بسرعة، ضعف صوتها، خفت حركتها، وصارت الأيام تمر عليها بصعوبة، وكان دانيال يرى ذلك العجز يتسلل إليها يومًا بعد يوم، دون أن يملك طريقة لإنقاذها.
في أيامها الأخيرة، استدعت كاتب العدل مرة أخرى، وصوتها بالكاد يُسمع، لكنها كانت واضحة، حاسمة، كأنها تتمسك بما تبقى لها من قوة، طلبت تحرير دانيال رسميًا، ومنحه مالًا يكفيه ليبدأ من جديد، وكتبت رسالة بيدٍ مرتجفة تؤكد أنه ليس مجرمًا بل رجل شجاع.
كانت تكتب ببطء، تتوقف لتلتقط أنفاسها، ثم تكمل، كأنها تعرف أن هذه الكلمات هي آخر ما ستتركه خلفها.
وعندما اقتربت النهاية، لم يكن هناك خوف كما توقعت طوال حياتها كان هناك هدوء غريب، وشيء يشبه الرضا.
رحلت إليانا بهدوء.
أما دانيال، فقد غادر بعد تنفيذ وصيتها، لم يتحدث كثيرًا، ولم ينظر خلفه طويلًا، لكن شيئًا منها بقي معه، شيء لا يُرى لكنه لا يُنسى.
لا أحد يعرف ما حدث له بعد ذلك، لكن يُقال إنه عاش حرًا، غيّر اسمه، وبدأ حياة جديدة، حياة اختارها بنفسه هذه المرة.
القصة لم تنتهِ بنهاية رومانسية تقليدية، لكنها انتهت بشيء أعمق، شخصان حُرما من الإنسانية بطرق مختلفة، التقيا في لحظة لم يكن يفترض أن تجمعهما، ومنح كلٌ منهما الآخر ما لم يحصل عليه من قبل شعور