عاد بعد 9 سنوات لينقذ أمه…

لمحة نيوز

تتنقلان بين الطفلين ووجه أمه المرتعش.
قال بصوت متردد
مين دول يا أمي؟
لم تجب.
شدّت صوفيا طرف تنورة كارمن بقوة أكبر، بينما اختبأ ماتيو خلفها أكثر، لكن عينيه ظلتا معلّقتين بوجه الرجل نفس الوجه الموجود في الصورة.
كرر السؤال، هذه المرة بنبرة أقسى
أنا بسألِك مين دول؟
ابتلعت كارمن ريقها، وارتجفت شفتاها قبل أن تهمس
ادخل الأول
لكنه لم يتحرك.
كان يشعر أن الإجابة التي سيحصل عليها لن تكون عادية
وأنه لو دخل، لن يخرج كما كان.
لكن شيئًا ما في عيني أمه كسر عناده.
دخل.
البيت كان كما تركه بل أسوأ.
الجدران أكثر تشققًا، السقف متهالك، والرائحة خليط من دخان الحطب والتعب.
وُضعت الهدايا على الأرض دون اهتمام.
جلس على الكرسي الخشبي القديم، بينما بقيت كارمن واقفة.
الطفلان
لم يبتعدا عنها.
قال أخيرًا، بنبرة منخفضة لكنها حادة
أنا عايز أفهم.
نظرت كارمن إلى الأرض، ثم إلى الطفلين، ثم إليه.
وقالت الجملة التي أوقفت الزمن
دول عيالك.
ساد الصمت.
صمت ثقيل كأنه سقط على المكان وكسره.
ضحك.
ضحكة قصيرة، باردة، غير مصدقة
بتهزري صح؟
لم تضحك.
لم تتحرك.
فهم.
لكن عقله رفض.
إزاي؟! أنا سافرت من 9 سنين! إزاي يكون عندي عيال عمرهم 9 سنين؟!
هنا رفعت صوفيا رأسها لأول مرة، ونظرت إليه بثبات غريب.
وقالت
عشان أنت مشيت وسِبت ماما تموت لوحدها.
تجمّد مكانه.
ماما؟
كارمن أغلقت عينيها كأنها كانت تتمنى ألا يأتي هذا الجزء أبدًا.
بدأت تحكي.
في الليلة التي سافر فيها لم يكن يعلم أن الفتاة التي أحبها، والتي وعدها أن يعود لها، كانت حاملًا.
لم تخبره.
لم ترد
أن تثقله.
قالت لنفسها إنه سيعود قبل أن يكبر الأمر قبل أن تحتاج أن تقول.
لكن الحياة لم تنتظر.
مرضت.
اشتد عليها المرض في شهور الحمل الأخيرة، ولم يكن معها مال، ولا أحد.
الوحيدة التي وقفت بجانبها كانت كارمن.
جابتهم هنا في البيت ده وأنا اللي ولّدتْها بإيدي.
صوت كارمن كان ينكسر مع كل كلمة.
وبعد ما خلفت بيومين بس ماتت.
سقطت الكلمات عليه كالصاعقة.
نظر إلى الطفلين هذه المرة بعيون مختلفة.
ماتيو بنفس عينيه.
صوفيا بنفس النظرة الحادة التي كانت لدى أمها.
همس بصوت مكسور
وأنا مكنتش عارف
كارمن هزت رأسها
لا مكنتش تعرف.
سكتت لحظة ثم أضافت
بس كنت غايب.
خفض رأسه.
كل السنوات التي قضاها في الغربة، يجمع المال، يحلم بلحظة العودة
فجأة بدت فارغة.
ليه ما قولتيليش؟!
صرخ
بها، لكن صوته لم يكن غاضبًا كان موجوعًا.
ما كانش عندي وسيلة أوصلك ولما عرفت مكانك بعد سنين كان خلاص بقيت أنا أمهم.
نظر إليها بصدمة
أمهم؟!
قالت بحزم، رغم دموعها
أيوه أمهم. اللي سهرت عليهم، وأكلتهم، وربّتهم وأنا اللي هافضل جنبهم.
سكت.
ثم نظر إلى الطفلين.
اقترب ببطء.
ماتيو لم يتحرك لكنه لم يهرب.
أما صوفيا فبقيت تنظر له بنفس القوة.
ركع أمامهم.
وقال بصوت بالكاد يُسمع
أنا أبوكم.
لم يرد أحد.
سألهم
ممكن أكون جزء من حياتكم؟
صمت طويل.
ثم خطوة صغيرة.
ماتيو اقترب.
ببطء مد يده، ولمس يد الرجل.
أما صوفيا فتأخرت لحظة ثم قالت
لو زعلتها تاني هنمشي.
ابتسم رغم دموعه.
وقال
مش همشي تاني.
في تلك اللحظة لم تُحل كل المشاكل.
لم تختفِ السنوات التسع.
ولم يُمحَ الألم.
لكن
بابًا جديدًا فُتح.
وفي بيت قديم، بسقف متهالك وجدران متشققة
بدأت عائلة تتكوّن من جديد.
النهاية.

تم نسخ الرابط