في ليلة ممطرة
في ليلة مطر غزير، طرد زوجٌ زوجته الحامل إلى الشارع دون أن يعرف أنها الابنة الوحيدة لأحد كبار رجال الأعمال.
كانت العاصفة قد حولت مدخل المستشفى إلى ظلام دامس.
المياه كانت ترتطم بالأرض بقوة، وأضواء سيارات الإسعاف تلوّن البرك باللون الأحمر، والرياح تجرّ معها أوراق الشجر والأكياس وكل ذلك النوع من المصائب التي تأتي حين يظن أحدهم أنه يستطيع إهانة امرأة دون أن يدفع الثمن.
ليلى بالكاد استطاعت أن تحمي بطنها.
سقطت أولًا على ركبتيها
ثم على يديها
وبعدها ارتطم جسدها كله، بثقل حملها في شهره الثامن، على الأرض المبتلة بصوت قاسٍ جعل حتى عمال الإسعاف يلتفتون.
لكنها لم تصرخ.
لم تبكِ.
لم تتوسل لأحد.
فقط شدّت بيدها بقوة على القلادة التي في عنقها
رأس أسد ذهبي صغير، أنيق، وفي إحدى عينيه قطعة ألماس تلمع رغم المطر.
من عند المدخل، كانت صفاء، حماتها، تقف واضعة ذراعيها أمام صدرها بابتسامة مليئة بالشماتة.
وبجوارها، كانت نيرمين ترفع هاتفها، تصور كل شيء وهي تبتسم ابتسامة ملتوية.
قالت بسخرية
بصّوا لها كانت عاملة فيها محترمة، وآخرها وقعت على الأرض.
أما كريم فلم ينحنِ حتى.
وقف مكانه، مبتلًا، وصدره منتفخ بغرور رخيص، ذلك النوع من الغرور الذي يظهر عند الرجال الضعفاء عندما يظنون أنهم امتلكوا شخصًا.
قال ببرود
أنا قلت لك تمشي مالكش
ركض المسعفون نحو ليلى عندما رأوا الدم يختلط بمياه المطر.
أحدهم انحنى بسرعة
هاتوا سرير نقل فورًا!
آخر حاول إبعاد كريم، لكن صفاء تدخلت قبله
ما تكبروش الموضوع دي دايمًا بتعرف تمثل دور الضحية.
رفعت ليلى رأسها بصعوبة
شعرها ملتصق بوجهها، أنفاسها متقطعة، وشفاهها شاحبة.
لكن عينيها لم يكن فيهما رجاء.
كان فيهما شيء أخطر
هدوء لا يشبه هدوء امرأة مهزومة.
كريم عرفها لسنين لكنه في تلك الليلة لم يفهم ما يراه.
لأنه ببساطة لم يحاول يومًا أن يفهمها.
بالنسبة له، كانت ليلى دائمًا سهلة.
هادئة
تعمل في صمت
زوجة لا تعترض عندما يفشل في مشروع جديد.
امرأة تصرف على البيت دون أن تجرحه.
تعود مرهقة من المستشفى ومع ذلك تطبخ، وترتب، وتبتسم حتى لا تفتعل أمه مشكلة جديدة.
وكان يظن أن هذا الصبر ضعف.
وصفاء كانت تغذي هذا الظن كل يوم
الست اللي ما بتتخانقش وراها حاجة.
بطنها كبرت بسرعة غريبة.
خلي بالك يا ابني الهاديين دول أخطر ناس.
ثم ظهرت نيرمين
عطر قوي
ضحكة عالية
ملابس ضيقة
من النوع الذي يدخل أي بيت وكأنه يقيس المكان ليعرف أين سيضع أغراضه.
في شهور قليلة، أصبحت تجلس على المائدة، وصفاء تفاخر بها أمام الجيران، وتقدم لها القهوة في أفضل فنجان
بينما تظل ليلى واقفة تجمع الأطباق كأنها غريبة في حياتها.
ليلى رأت كل شيء
الرسائل
النظرات
الهاتف
الأبواب المغلقة
وشعرت بالخيانة وهي تتسلل وتفسد كل شيء.
ومع ذلك لم تتكلم.
ليس لأنها لا تعرف
بل لأنها كانت تنتظر.
قبل العاصفة بأربع ليالٍ
كانت في الحمام، يد على بطنها، والأخرى ترتعش وهي تمسك الهاتف.
أجرت المكالمة التي أجلتها طويلًا.
وعندما جاءها الصوت من الطرف الآخر أغمضت عينيها وقالت
بابا أنا مش عايزة أستخبى تاني.
سكت الصوت لحظة
ثم جاء الرد، قويًا، حاسمًا
قولي لي إنتِ فين.
في تلك الليلة
كانت صفاء ونيرمين قد ملأتا أكياس القمامة بملابس ليلى.
أفرغتا الأدراج، رمتا الصور، أخرجتا أغراضها من الحمام، وتركتا حقيبتها عند الباب كأنهما تطردان دخيلة.
وكريم لم يمنعهما.
بل ساعدهما.
قال دون أن ينظر إليها
هتمشي النهارده وما تحاوليش تلزقي فيا العيل ده.
ضحكت نيرمين بسخرية
البديلة كسبت.
وقفت ليلى ساكنة
يد على الحقيبة
وأخرى على بطنها
لم تصرخ
لم تكسر شيئًا
لم تذكر كيف كانت تدفع الإيجار
ولا كيف تحملت المناوبات الطويلة
ولا الإهانات
فقط خرجت تحت المطر.
وعندما وصلت إلى الرصيف دفعها كريم بيديه.
والآن
بينما يحاول المسعفون رفعها
دوّى صوت عدة سيارات تتوقف فجأة أمام المستشفى.
ثلاث سيارات سوداء
مصفحة
لامعة.
فتحت الأبواب في وقت واحد تقريبًا.
نزل رجال ببدلات سوداء، سماعات صغيرة في آذانهم، ووجوه صارمة.
لم يجروا
لم يرفعوا
لم يحتاجوا لذلك.
تقدموا نحو ليلى بهيبة جعلت حتى الممرضين يبتعدون دون سؤال.
خرج طبيب الطوارئ، ونظر إلى القلادة رأس الأسد المعلق على صدر ليلى
فتغير وجهه فورًا.
نظر إلى كريم
ثم إلى صفاء
ثم إلى نيرمين التي ما زالت تصور لكن ابتسامتها اختفت.
وقال بصوت منخفض، جاف
إنت ما كانش لازم تلمسها.
تجهم كريم
إنت بتقول إيه؟
لكن لم يرد أحد.
لأن في تلك اللحظة
فُتح باب السيارة الوسطى ببطء
والرجل الذي بدأ ينزل منها
جعل الطبيب يقف باعتدال
وجعل الحراس ينحنون باحترام
وجعل لون وجه ليلى يتغير لكن هذه المرة لسبب مختلف تمامًا عن الألم.
من هو هذا الرجل الذي وصل تحت العاصفة؟
ولماذا بدا أن المستشفى كله تجمّد عند ظهوره؟
وماذا سيحدث عندما يكتشف كريم من هي المرأة التي طردها؟
الرجل الذي نزل من السيارة لم يرفع صوته.
لم يكن بحاجة لذلك.
مجرد وجوده غيّر كل شيء.
كان طويل القامة، شعره يميل إلى الشيب، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ونظرته باردة لدرجة أنك تشعر أنها تقطع المطر قبل أن يلمس الأرض.
تقدم نحو السرير المتحرك دون أن ينظر لأحد ومع كل خطوة، كان الصمت يزداد ثِقلاً.
كريم تراجع خطوة للخلف دون أن يفهم لماذا.
صفاء سكتت لأول مرة.
نيرمين أنزلت الهاتف ببطء.
أما ليلى
وعندما رأته يقترب، لأول مرة في تلك الليلة انكسر شيء بداخلها.
لم يكن خوفًا.
بل إرهاقًا
إرهاق سنين.
همست بصوت ضعيف
بابا
كريم شعر وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.
نظر للرجل
ثم لليلى
ثم