سابوني وانا عندي اربع سنين في نص الشارع

لمحة نيوز

أنا كان عندي 4 سنين لما أمي قررت تمسحني من حياتها كأنني غلطة واتقفلت صفحتها، يومها وقفتني في نص شارع زحمة، على رصيف بارد والدنيا داخلة على ليل، وطت قدامي وعدلت ياقة الجاكيت الأزرق بتاعي، بصتلي نظرة غريبة ما بين الوداع والارتياح، وقالت بصوت هادي كأنه حكم نهائي: "خليكي واقفة هنا يا نور… ربنا هيتولاكي، إياكي تسيبي الرصيف ده"، وبعدها قامت ومشيت من غير ما تبص وراها، ماسكة إيد أبويا، وأختي الكبيرة ماشية جنبهم، التلاتة وسط الناس كأنهم عيلة كاملة ما نقصتش حد، وأنا واقفة مكاني مش فاهمة، مستنية، ضامة شنطتي الصغيرة لصدري وببص عليهم لحد ما الزحمة بلعتهم، بس قبل ما يختفوا خالص أمي لفت وشها وبصتلي… وكانت مبتسمة، ابتسامة باردة محفورة في روحي لحد دلوقتي، فضلت واقفة زي ما قالت، دقيقة ورا دقيقة، لحد ما الليل دخل والشارع هدي، رجلي وجعتني من الوقفة وبطّلت أحس بيها من البرد، كنت بكلم نفسي بصوت واطي: "ماما هترجع… هي قالتلي استني"، لحد ما صوت خطوات وقف قدامي، عسكري دورية نزل لمستوايا وسألني أنا واقفة لوحدي ليه، ماعرفتش أرد غير بكلمة واحدة: "ماما جاية"، بس ماما ماجتش، ولا في الليلة دي ولا بعدها، ومن اللحظة دي حياتي اتقسمت نصين: قبل الرصيف وبعده، أخدوني دار رعاية، وهناك بدأت أفهم إن فيه أطفال كتير زيي، كل واحد فيهم وراه حكاية وجع مختلفة، بس الوجع كان بيجمعنا، كنت ببكي بالليل وأنا مستخبية تحت البطانية عشان محدش يسمعني، كنت بسأل نفسي أنا عملت إيه غلط عشان أترمي كده، ليه أنا بالذات، مفيش إجابة، بس كان فيه فراغ كبير جوايا بيكبر كل يوم، لحد ما دخلت حياتي

ست اسمها عفاف، ممرضة، كانت بتيجي الدار تزور الأطفال، كانت مختلفة، لما كانت تبصلي كنت بحس إنها شايفاني بجد، مش مجرد رقم في سجل، في يوم طلبت إنها تاخدني تعيش معاها، وفعلاً بقيت بنتها، ومن يومها وأنا بناديها "ماما عفاف"، الست دي كانت رحمة ربنا اللي نزلت عليا، علمتني يعني إيه حب من غير مقابل، يعني إيه حد يخاف عليكي بجد، كانت بتصحيني الصبح على صوتها الحنين وهي بتقول: "يلا يا بطلة الدنيا مستنياكي"، وكانت أول واحدة تقول لي إن اللي حصل لي مش عيب فيا، وإن اللي رماكي وانتي طفلة ما يستاهلكيش وانتي قوية وكبيرة، كبرت وأنا شايلة الجرح جوايا بس متغلبة عليه، كنت بذاكر لحد ما عيني توجعني، كنت عايزة أثبت لنفسي قبل أي حد إني أستاهل أعيش، دخلت كلية هندسة، وتفوقت، وكل نجاح كنت بوصله كنت ببص لماما عفاف وأشوف الفخر في عينيها، الإحساس ده كان بيجبر كل كسر جوايا، لحد ما بقيت عندي 24 سنة، مهندسة ناجحة، عندي مكتبي الخاص، وبنيت حياتي من الصفر، يومها كنت قاعدة في مكتبي براجع تصاميم مشروع كبير، والمطر بينزل برا زي نفس الليلة اللي اترميت فيها، فجأة السكرتيرة خبطت وقالتلي في ناس برا بيقولوا إنهم قرايبك وعايزين يشوفوكي ضروري، استغربت، أنا ماعنديش قرايب، بس قلت دخليهم، الباب اتفتح ودخل راجل وست وبنت في العشرينات، أول ما عيني جت في عين الست حسيت قلبي وقف، نفس الملامح، نفس النظرة، نفس الابتسامة الباردة، الزمن غيّرها بس ماقدرش يمحيها، دي أمي، رجعت بعد 20 سنة كأنها ماعملتش حاجة، قربت مني وفتحت دراعها كأنها جاية تحضنني وقالت بصوت مكسور مصطنع: "كبرتي يا نور… وحشتيني
يا بنتي"، وقفت مكاني ما اتحركتش، كنت حاسة إني رجعت طفلة واقفة على الرصيف، بس الفرق إن المرة دي أنا فاهمة كل حاجة، بصيت لها وقلت بهدوء: "إنتي مين؟"، الكلمة وقعت عليها زي صفعة، الراجل اللي معاها قال بسرعة: "إحنا أهلك يا بنتي… ظروفنا كانت صعبة زمان، غصب عننا سبناكي، بس قلبنا عمره ما نسيكي"، ضحكت ضحكة خفيفة فيها كل الألم اللي جوايا وقلت: "قلبكم ما نسيش؟ طب ليه سيبتوني في الشارع؟ ليه ما رجعتوش تسألوا عليا؟ 20 سنة فاكرين فجأة؟"، الست بدأت تعيط وتقول كلام كتير عن الندم والظروف، بس عينيها كانت فاضية، نفس الفراغ اللي شفته فيها وهي بتمشي زمان، البنت اللي معاهم كانت ساكتة وبصالي بنظرات غريبة، خليط بين الفضول والخجل، ساعتها فهمت إن في حاجة مش مظبوطة، قعدوا يحكوا حكايات عن الفقر والديون وإنهم كانوا مضطرين، بس كل كلمة كانت بتكسر أكتر لأن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام، لو كانوا عايزين ينقذوني كانوا خدوني معاهم، مش يسيبوني في الشارع، بعد شوية لفوا الكلام وقالوا إنهم عايزينني أرجع أعيش معاهم، وإن ده حقي، هنا بقى فهمت اللعبة، ماحدش بيرجع بعد 20 سنة عشان الحب، فيه حاجة تانية، سألتهم بصراحة: "عايزين إيه؟"، سكتوا لحظة، وبعدين الراجل قال إن فيه ميراث كبير باسم العيلة ومحتاجين توقيعي عشان يتقسم، وإن وجودي ضروري كابنة شرعية، ساعتها كل حاجة وضحت، أنا بالنسبة لهم مش بنت، أنا مفتاح، وسيلة يوصلوا بيها لفلوس، حسيت بالاشمئزاز، بس في نفس الوقت حسيت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده، القوة دي جت من كل ليلة بكيت فيها، من كل مرة وقعت وقمت لوحدي، من حب ماما عفاف اللي
خلاني أعرف قيمتي، وقفت وبصيت لهم واحد واحد وقلت: "أنا اتربيت من غيركم، كبرت من غيركم، نجحت من غيركم، لما كنت بموت من البرد كنتوا فين؟ لما كنت ببكي بالليل كنتوا فين؟ دلوقتي افتكرتوا إن عندكم بنت؟"، الست حاولت تقاطعني وتقول "إحنا ندمانين"، بس رفعت إيدي ووقفتها وقلت: "الندم بييجي بدري، مش بعد ما أبقى مفيدة"، ساعتها طلبت منهم يمشوا، وقبل ما يخرجوا قلت جملة واحدة كانت خلاصة كل اللي جوايا: "أنا عندي أم واحدة… اللي خدتني وأنا مرمية وربتني، مش اللي رمتني ومشيت"، خرجوا وهم مكسورين بس مش بسبب ضميرهم، بسبب إن خطتهم فشلت، قفلت الباب وراهم، وقعدت على الكرسي وأنا بحس إني أخيرًا قفلت الدائرة اللي كانت مفتوحة من 20 سنة، ماما عفاف دخلت عليا بعد ما عرفت اللي حصل، حضنتني وقالتلي: "أنا فخورة بيكي"، ووقتها بس عيطت، مش عياط ضعف، عياط راحة، عياط بنت أخيرًا فهمت إن قيمتها مش في اللي سابوها، لكن في اللي اختاروا يحبّوها، ومن اليوم ده وأنا عارفة إن الماضي عمره ما هيختفي، بس مش هو اللي هيحدد مستقبلي، أنا اللي أحدده، وأنا اخترت أكون أقوى من أي وجع، وأعيش الحياة اللي استحقيتها من البداية.

بعد ما الباب اتقفل وراهم، وقفت لحظة ساكتة كأن الزمن نفسه خد نفس طويل… وبعدين رجع يجري تاني، بس المرة دي أنا اللي مسكاه بإيدي. عدّى يوم واتنين وثلاثة، وحاولت أرجع لحياتي الطبيعية، شغل، اجتماعات، تصاميم، ضحك خفيف مع زمايلي… بس الحقيقة إن وجودهم رجّع جوايا حاجات كنت فاكرة إني دفنتها. مش ضعف… لأ، ده كان غضب قديم صحي من النوم.

ماما عفاف كانت ملاحظة كل حاجة، بس كانت سايباني

أتعامل

تم نسخ الرابط