مراتي سابتني انا وابني الرضيع
الماضي اتحط في درج واتقفل عليه. لكن الحقيقة إن كل زيارة منها لأيمن كانت بتفتح الدرج ده شوية. كنت بشوفها وهي قاعدة قدامه، بتحاول تعوض سنين غيابها، بتضحك معاه، تسمع له، تسأله عن يومه وكنت بشوف في عينيها ندم حقيقي، ندم تقيل لدرجة إنه ساعات كان بيخليني أتعاطف رغمًا عني.
أيمن، بطبيعته الطيبة، بدأ يتعلق بيها بسرعة. الطفل اللي اتحرم من أمه سنين، أول ما لقاها، تمسك بيها كأنه خايف تضيع منه تاني. بقى يستناها، يعد الأيام عشان يشوفها، ويزعل لو اتأخرت عليه. وده كان أصعب اختبار ليا.
في ليلة من الليالي، كان نايم جنبي وقال لي وهو مغمض عينه بابا ماما ممكن ترجع تعيش معانا؟
السؤال ده شق صدري نصين.
بصيت له، ولمست شعره وقلت بهدوء مش كل الناس ينفع ترجع لنفس المكان يا أيمن بس ينفع نفضل نحبهم بطريقتنا.
سكت، بس حسيت إنه مش مقتنع ويمكن عنده حق.
بعدها بفترة، جميلة بدأت تتغير أكتر. ما بقتش مجرد زيارات وخلاص بقت تسأل لو محتاجين حاجة، تعرض تساعد في مصاريف المدرسة، حتى حاولت تشتغل وتثبت لنفسها قبل أي حد إنها تقدر
وفي يوم، حصل موقف خلاني أشوفها بشكل مختلف لأول مرة من سنين.
أيمن تعب فجأة حرارة عالية جدًا، والدكاترة اشتبهوا في مشكلة في صدره بسبب إنه كان مولود ضعيف. دخلنا المستشفى، وأنا كنت واقف مش عارف أعمل إيه نفس الإحساس القديم رجع، العجز والخوف.
وفجأة، لقيتها جنبي.
جميلة كانت واقفة، وشها شاحب بس ثابت، ماسكة إيد أيمن، وبتكلمه وتهديه، وبتتحرك بين الدكاترة بثقة غريبة. فضلت معاه يومين كاملين ما نامتش فيهم تقريبًا. كانت أول واحدة تصحى معاه، وآخر واحدة تنام.
في اللحظة دي، فهمت حاجة إن الأمومة اللي هربت منها زمان رجعت لها دلوقتي بكل قوتها.
عدت الأزمة على خير، وأيمن خرج من المستشفى. لكن اللي حصل جوه المستشفى، كان نقطة تحول مش في علاقتهم بس، لكن في نظرتي أنا كمان.
بدأت أشوف إن جميلة اللي قدامي دلوقتي مش نفس البنت اللي سابتني زمان. الحياة دعكتها، كسرتها، علمتها ويمكن خلتها تفهم حاجات أنا نفسي ماكنتش فاهمها وقتها.
وفي نفس الوقت، أنا كمان ماكنتش نفس كامل.
أنا الراجل اللي اتساب في
وفي يوم، بعد ما أيمن نام، كنا قاعدين في البلكونة لأول مرة لوحدنا من غيره.
سكتنا شوية، وبعدين قالت أنا عارفة إني ماليش حق أطلب حاجة بس أنا لسه بحبك يا كامل.
الجملة نزلت بهدوء بس عملت دوشة جوايا.
بصيت قدامي شوية، وبعدين قلت الحب لوحده مش كفاية يا جميلة إحنا كنا محتاجين وقتها ثقة، وصبر وإنتي مشيتي.
قالت وهي بتحاول تمسك دموعها وأنا بدفع التمن كل يوم
سكتنا تاني بس المرة دي السكوت كان تقيل.
الأيام عدت، وعلاقتنا فضلت في المنطقة الرمادية دي لا رجوع كامل، ولا قطيعة. كنا بنتعامل عشان أيمن، لكن في حاجات تحت السطح، مش بتتقال.
لحد ما في يوم، أيمن فاجئنا.
كان عنده حوالي 12 سنة وقتها، دخل علينا وإحنا قاعدين، وقال أنا عايز أقول حاجة ومش عايز حد يقاطعني.
بصينا له باستغراب، وكمل أنا بحبكم انتوا الاتنين بس مش عايزكم تكونوا مع بعض عشان خاطري. لو هترجعوا، يبقى عشان انتوا عايزين مش عشاني.
الكلام ده كان أكبر من سنه بكتير.
بصيت لجميلة، ولقيتها باصة لي نفس النظرة
في اللحظة دي، أدركت إننا قدام اختيار حقيقي مش ضغط، ولا ذنب، ولا محاولة تصليح الماضي بالعافية.
عدت شهور بعد الموقف ده، وكل واحد فينا كان بيحاول يفهم نفسه أكتر.
وفي النهاية خدت قراري.
قعدت مع جميلة، وقلت لها بهدوء أنا سامحتك بجد سامحتك. بس الرجوع مش هو الحل.
دموعها نزلت، بس ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت يمكن دي أول مرة تحميني مني.
ومن يومها، بقينا عيلة بشكل مختلف.
أنا وهي مش زوجين لكن شركاء في تربية ابننا. في احترام بينا، في تقدير، وفي ذكرى يمكن موجعة، بس علمتنا كتير.
وأيمن كبر قدامنا، شاف الغلط، وشاف التصحيح، واتعلم إن الحياة مش دايمًا بترجع زي ما كانت لكنها ممكن تبقى أحسن، بشكل تاني.
وفي يوم تخرجه، وهو واقف بينا، حاطط إيده في إيدي وإيدها، قال أنا يمكن ما كانش عندي عيلة تقليدية بس كان عندي أب ما استسلمش، وأم رجعت تحارب عشاني وده كفاية أوي.
ساعتها بس حسيت إن كل الوجع، والتعب، والسنين اللي فاتت كان ليها معنى.
وإن النهاية عمرها ما بتبقى في اللحظة اللي كل حاجة بتتكسر فيها، لكن في اللحظة