مراتي سابتني انا وابني الرضيع

لمحة نيوز

فيه لحظات في العمر بتقسم حياة الإنسان نصين قبل وبعد، وأنا اللحظة بتاعتي كانت واقف فيها قدام قبر أمي، شايل ابني الرضيع على صدري، وبشوف مراتي وهي بتسيبني وتمشي من غير ما تبص وراها. من اليوم ده، حياتي فعلاً اتقسمت نصين قبل جميلة، وبعد جميلة.
أنا اسمي كامل، ومكنتش يوم أتخيل إن النهاية بالشكل ده. كنا زي أي اتنين بدأوا من الصفر، أنا مهندس على قد حالي، بحاول أبني نفسي خطوة خطوة، وهي بنت متعودة على مستوى أعلى، بس قالت إنها راضية وإن الحب يكفي. صدقت ويمكن كنت عايز أصدق.
يوم جنازة أمي كان أقسى يوم في حياتي، مش بس عشان فقدتها، لكن عشان فقدت كل حاجة في نفس اللحظة. لما جميلة قالت كلمتها ومشيت، حسيت إن الدنيا كلها اتسحبت من تحت رجلي. بس ما انهرتش يمكن لأني كنت شايل أيمن، ابني، اللي كان بيقاوم الحياة أصلاً.
الأيام اللي بعد كده كانت حرب حقيقية. مفيش حد علمني إزاي أبقى أب وأم في نفس الوقت، بس اتعلمت. كنت بصحى بالليل على عياطه، أعمل له لبن، أغير له، وأحاول أهديه وأنا نفسي محتاج حد يهديني. كنت بروح الشغل مرهق، وأرجع أبدأ شغل تاني في البيت. كل يوم كان

تحدي، وكل يوم كنت بقول لنفسي عشانك يا أيمن أنا هكمل.
كلام أم جميلة فضل يرن في ودني إنت لسه في مكانك ما اتحركتش. الجملة دي كانت زي النار اللي جوايا، حرقتني بس في نفس الوقت دفعتني أتحرك. بدأت أشتغل أكتر، أتعلم أكتر، آخد كورسات، أطور نفسي. بقيت أرجع البيت أذاكر بعد ما أنوم أيمن. سنين عدت وأنا في سباق مع نفسي مش عشان أثبت لحد حاجة، لكن عشان أبقى الشخص اللي أمي كانت شايفاه فيا.
وأيمن كبر بقى عنده 5 سنين، وبقى كل حاجة في حياتي. كان بيضحك فأنسى التعب، ويجري عليّ فأنسى الدنيا كلها. عمره ما سأل عن أمه في الأول، يمكن لأنه ما افتكرهاش، لكن مع الوقت بدأ يسأل هي فين ماما؟ وكنت أرد بهدوء بعيدة شوية بس ربنا معاها. مكنتش عايز أزرع جواه كره.
في يوم، بعد 5 سنين بالظبط، وأنا واقف في المطبخ، لقيت جواب على الباب. أول ما شفت الخط، قلبي دق بسرعة. جميلة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الجواب. قريت كلامها حسيت بثقل السنين كلها بيرجع فوق صدري. قالت إنها كانت تايهة، وإنها اختارت غلط، وإن الراجل اللي مشيت معاه طلع أسوأ كابوس، وإنها دفعت التمن غالي قوي. قالت إنها
اتكسرت، وإنها عايزة تشوف ابنها.
قعدت على الكرسي ومش قادر أتحرك. جزء مني كان لسه موجوع، وجزء تاني كان بيقول دي أم ابني.
عدت أيام وأنا مش عارف أقرر. لحد ما في يوم، وأنا قاعد مع أيمن، سألني بابا لو ماما رجعت، أنت هتزعل؟ سكت شوية وقلت مش مهم أنا أزعل ولا لأ المهم إنت.
قال لي أنا عايز أشوفها حتى لو مرة.
الكلمة دي حسمت كل حاجة.
كلمتها واتفقنا نتقابل في مكان عام. لما شفتها، ماعرفتهاش من أول نظرة. جميلة اللي كانت دايمًا مهتمة بنفسها، كانت واقفة قدامي مرهقة، عينيها مليانة حزن، وشها فقد بريقه. كانت مكسورة فعلاً.
أيمن كان ماسك إيدي، أول ما شافها وقف وسألني دي ماما؟ هزيت راسي. قرب منها بحذر، وهي نزلت على ركبتها ودموعها نازلة، وقالت له أنا آسفة يا حبيبي هو ما ردش، بس حضنها.
المشهد ده كسرني بس برضه ريحني.
بعد اللقاء ده، بدأت تزوره على فترات. كنت حاطط حدود، مش عشان أعاقبها، لكن عشان أحمي ابني. وهي كانت بتحاول تثبت إنها اتغيرت مش بالكلام، بالأفعال.
عرفت بعدها إن حياتها مع دارين كانت جحيم. سيطرة، إهانة، خيانة وكل حاجة كانت عكس الصورة اللي اتخيلتها.
وفي الآخر، سابها بعد ما خسر كل فلوسه، وسابها لوحدها تواجه الدنيا.
السنين علمتني إن الإنسان ممكن يغلط بس مش كل غلطة تتصلح. وأنا سامحت بس ما نسيتش.
بعد فترة، سألتني ينفع نرجع؟ بصيت لها بهدوء وقلت إحنا انتهينا كزوجين من زمان بس هنفضل مرتبطين طول العمر عشان أيمن.
دموعها نزلت، بس المرة دي ما حاولتش تقنعني. يمكن لأول مرة فهمت.
مرت سنين تانية، وأيمن كبر وبقى شاب. علاقته بأمه اتحسنت، وبقى بيزورها ويكلمها، لكن عمره ما نسي مين اللي كان موجود دايمًا.
وفي يوم، وهو واقف جنبي، قال لي أنا فخور بيك يا بابا إنت عمري ما حسستني إني ناقص حاجة.
ساعتها بس، حسيت إني كسبت.
جميلة رجعت بس مش ليا، رجعت لنفسها، ولبنها. وأنا كملت طريقي يمكن لوحدي، بس أقوى.
وفي الآخر، فهمت إن الدنيا فعلاً بتدور بس مش دايمًا عشان ترجع الناس لبعض، أحيانًا عشان توري كل واحد فينا قيمته الحقيقية.
مرت سنين تانية بعد اللحظة اللي قررت فيها إن جميلة تبقى أم لأيمن بس مش مراتي تاني. القرار ده كان واضح في كلامي، لكن مشاعر الإنسان عمرها ما بتبقى أبيض وأسود بالشكل السهل ده.
في الأول، كنت فاكر
إن الموضوع انتهى وإن
 

تم نسخ الرابط