توفي ابنها في عمر ست سنوات ٣
بدأ يرفع الرشاش ناحية الباب اللي ورايا، المكان اللي مستخبي فيه يوسف وأهله الحقيقيين. قلبي وقف، وبدون تفكير رميت نفسي عليه. مسكت في دراعه اللي ماسك السلاح بكل قوتي وأنا بصرخ: "اجري يا يوسف! اجري يا أحمد!"
كريم كان أقوى مني بكتير، ضربني بظهر السلاح في راسي وقعت على الأرض والدم غطى عيني. شفته وهو بيوجه الرشاش للباب وصباعه بيضغط على الزناد..
وفجأة.. دوي رصاص ملأ المكان.
بس مش رصا. ص كريم.
الظابط أحمد ضرب طلقة واحدة سكنت في كتف كريم، خلت السلاح يقع من إيده. كريم صرخ ووقع على ركبه وهو بيلهث. المنظمة اللي كانت بعتاه عشان تهربه، كانت هي اللي بتمطر المكان رصاص من بعيد! الظاهر إنهم قرروا يخلصوا من "الطرف الضعيف" عشان ميسيبش وراه أي دليل يوصل ليهم.
العساكر بدأت ترد على مصدر الضرب لبره، وأحمد سحبني بسرعة لورا الساتر وهو بيضرب نار. كريم كان زاحف في نص الصالة، بين نار الشرطة ونار المنظمة اللي خانته.
بص لي كريم وهو بينزف، وفي اللحظة الأخيرة من حياته، ملامحه هديت بشكل غريب. طلع من جيبه "سلسلة" صغيرة كان يوسف بيلبسها وهو صغير، رماها ناحيتي وهو بيكح دم: "خدي.. دي فيها.. فيها رقم حساب.. بره.. خليه ليوسف..
مكملش الجملة. رصاصة تانية جت في صدره، وسكت كريم للأبد.
خلص ضرب النار بعد دقايق كانت كأنها سنين. القوة قدرت تصفي القناصة اللي بره، والمكان بقى هدوء مرعب، مبيقطعوش غير صوت عياط يوسف المكتوم من جوه.
قمت بصعوبة وأنا ساندة على الحيطة، رحت لكريم.. الراجل اللي عشت معاه سنين وفي الآخر طلع غريب وشيطان. بصيت لوجهه الميت، محستش بشماتة، حسيت بس بوجع على السنين اللي ضاعت في الوهم.
الظابط أحمد قرب مني وحط إيده على كتفي: "انتهى يا سمر.. الكابوس انتهى بجد."
يوسف خرج جري عليا،أنا ببكي. بصيت للأم الحقيقية اللي كانت واقفة بعيد، عيوننا اتقابلت. هي كانت شايفة فيا الست اللي حمت ابنها بجد، وأنا كنت شايفة فيها الحق اللي لازم يرجع.
"سمر.. " الست قربت مني ومسكت إيدي، "أنا مش هاخده منك وأمشي.. إحنا دلوقتي عيلة واحدة. عمر - أو يوسف - له أمين، مش أم واحدة."
ابتسمت وسط دموعي، وأنا عارفة إن الجروح لسه هتاخد وقت عشان تلم، بس على الأقل.. الحقيقة بقت واضحة زي الشمس.
لكن وأنا بلم السلسلة اللي كريم رماها، لاحظت إن ورا السلسلة فيه نقش صغير قوي.. نقش لجمجمة تانية، وجنبها حرف واحد: **"S"**.
قلبي انقبض.. هل "
وقفت قدام القبر رقم 7 للمرة الأخيرة، بس المرة دي مكنش فيه خوف ولا ضلمة. الشمس كانت طالعة بتغسل المكان بنورها، والرخام اللي كان بيخبي تحته أسرار الموت، بقى مجرد حجر ملوش قيمة.
فتحت السلسلة اللي كريم سابها لي، ولقيت ورا حرف الـ **"S"** ورقة صغيرة جداً مكتوب فيها: *"سامحيني يا سمر.. السلسلة دي مش فلوس، دي الدليل اللي هيقفل القضية للأبد."*
الحرف مكنش اسمي، كان كلمة **"Secret"** (السر). الورقة كان فيها شفرة لموقع إلكتروني عليه كل تسجيلات المنظمة، وصور الشخصيات الكبيرة اللي كانت بتدير تجارة الأعضاء من ورا الستار. كريم في لحظته الأخيرة، قرر إنه ميموتش شيطان كامل، ساب لي السلاح اللي ههدم بيه المعبد فوق رؤوسهم كلهم.
سلّمت الدليل للنيابة، وخلال أيام، البلد كلها اتهزت من حجم الاعتقالات. رؤوس كبيرة وقعت، والمنظمة اللي كانت فاكرة إنها فوق القانون، اتفتتت تحت إيد العدالة.
### الحكمة من الحكاية
قعدت أنا ويوسف - اللي بقى اسمه "يوسف عمر" - على شط النيل. كانت جنبه أمه الحقيقية وأبوه، وبقينا فعلاً عيلة واحدة غريبة ومترابطة.
**الحكمة اللي خرجت بيها من كل السنين دي:**
1. **الأمومة مش دم، الأمومة مواقف:** الأم هي اللي بتدي الأمان مش اللي بتدي الاسم بس. يوسف بقى له قلبين بيخافوا عليه، وده كان تعويض ربنا لينا كلنا.
2. **الكذب مهما طال عمره، الحقيقة ليها صوت:** كريم بنى قصر من الأوهام، بس في الآخر وقع القصر فوق دماغه. مفيش سر بيفضل مدفون، والأرض دايماً بترفض تشيل الظلم جواها.
3. **الوجع بيصنع القوة:** لولا الوجع اللي عشته، مكنتش هقدر أقف قدام الرصاص وأحمي يوسف. ساعات ربنا بيمتحنا بالخوف عشان يخرج من جوايا شجاعة إحنا نفسنا مكناش نعرف إننا نملكها.
4. **النهايات هي بدايات تانية:** كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم ما يوسف "مات"، بس الحقيقة إن حياتي الحقيقية بدأت يوم ما واجهت موته بشجاعة وعرفت أرجعه للحياة.
بصيت للسما وخدت نفس عميق، وحسيت إن الحجر اللي كان واقف في زوري داب للأبد. مكنتش محتاجة أعيش على ذكرى طفل مات، لأني بقيت عايشة مع طفل اتولد من جديد من رحم المعاناة.
تمت الحكاية، بس حكايات الحياة مابتخلصش، وكل وجع وراه حكمة، وكل ضلمة