توفي ابنها في عمر ست سنوات ٣
## الجزء السابع: وجع الحقيقة الثانية
جملة الظابط كانت أقسى من رصاص السرداب. "يوسف مش ابنك يا سمر".. الجملة دي هدت الحيطة الوحيدة اللي كنت سانده ضهري عليها. بصيت ليوسف، لملامحه اللي كنت بشوف فيها نفسي، لضحكته اللي كانت بتهون عليا مرار السنين. إزاي؟ إزاي قلبي ما قاليش؟ وإزاي هو اتعلق بيا كأني أمه فعلاً؟
الظابط كمل وهو بيحط صور قديمة قدامي: "كريم كان شغال في مستشفى خاص من 6 سنين، حصلت حالة خطف لرضيع وقتها والقضية اتقيدت ضد مجهول. كريم خد الولد وسجله باسمك وباسمه بمساعدة ممرضة ميتة دلوقتي، وعيشك الوهم ده عشان يضمن إن يوسف يفضل تحت إيده كـ 'مخزن متحرك' لأي عملية يطلبها الزبائن الكبار."
يوسف كان بيبص للصور بذهول، وبعدين بص لي وعيونه مليانة دموع: "يعني إنتي مش ماما؟ يعني أنا ماليش حد؟"
وكأني بحاول أثبت للعالم إن الأمومة مش بس دم وعرق، الأمومة وجع وسهر وحب. "أنا أمك يا يوسف.. أنا اللي ربيت وأنا اللي دمعت وأنا اللي واجهت الموت عشانك.. مش هسيبك، والله ما هسيبك."
* "بس يا مدام سمر،" الظابط قطع اللحظة بصوت هادي، "أهله الحقيقيين لسه عايشين. ناس بسيط حالهم انقطع من يوم ما ابنهم اختفى، ومن حقهم
في اليوم ده، جالي محامي من طرف "العيلة الحقيقية". كان راجل وقور، بص لي بشفقة وقال: "إحنا مقدرين اللي عملتيه عشان يوسف، وإنتي فعلاً بطلة.. بس الأب والأم اللي هناك بيموتوا كل يوم في السنة ألف مرة. هما مش عايزين يحرموكي منه، بس عايزين حقهم في ابنهم."
اتفقنا على مقابلة.. مقابلة "تبادل الأرواح".
رحت المكان، وكان قلبي بيتعصر. شفت ست ملامحها باهتة من كتر العياط، وراجل شعره شاب قبل أوانه. أول ما شافوا يوسف، الست وقعت على ركبها وهي بتصرخ باسمه القديم: "عمر! يا حبيبي يا عمر!"
يوسف استخبى ورايا، كان خايف.. بالنسبة له دول ناس غريبة، وأنا الأمان الوحيد. الست قربت وهي بترتعش، وطلعت "لعبة" صغيرة قديمة كانت شايلاها من 6 سنين.. "فاكر دي يا حبيبي؟ دي كانت معاك وأنت في اللفة."
يوسف بدأ يقرب منها ببطء، وكأن فيه ذاكرة خفية في دمه بدأت تصحي. المشهد كان يقطع القلب، كنت واقفة في النص، بين "حقي" اللي عشته، وبين "حقهم" اللي اتسرق منهم.
فجأة، تليفون الظابط رن، وشه اتغير وبص لي بنظرة مرعبة.
"سمر.. كريم هرب!"
* "هرب إزاي؟ ده كان في الترحيلات!"
الظابط بزعيق: "عربية
الخوف رجع ينهش فيا تاني. كريم هرب، وده معناه إنه هيدور على يوسف.. أو عمر. هو عارف إن الولد هو "الكنز" اللي هيشتريه بيه حريته من المنظمة بره مصر.
بصيت للأم الحقيقية وقلت لها بسرعة: "لازم نمشي من هنا.. كريم مش هيسيبنا في حالنا."
واحنا خارجين من البيت، سمعنا صوت ضرب نار بره. كريم مكنش هربان عشان يستخبى، كريم كان جاي ياخد "بضاعته" الأخيرة قبل ما يختفي للأبد.
الظابط طلع سلاحه وأمرنا نستخبى تحت الترابيزات. شفت كريم من ورا الإزاز، وشه كان متشوه وضخم، وماسك رشاش في إيده وهو بيصرخ: "هاتوا الولد! سمر.. اطلعي بالولد وإلا هحرق المكان باللي فيه!"
بصيت ليوسف، وبعدين بصيت للأم اللي كانت ماسكة فيه، واتخذت قرار.. أغرب وأخطر قرار في حياتي.
وقفت ورفعت إيدي: "أنا هخرجلك يا كريم.. بس سيب الناس دي تمشي."
حكايات رومانى مكرم
خرجت من ورا الساتر وخطواتي كانت ثابتة رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعض. كريم أول ما شافني، ضحكته البشعة ملأت المكان، ضحكة واحد خسر كل حاجة ومبقاش عنده
"كنت عارف إنك هتيجي يا سمر.. طول عمرك قلبك هو اللي بيسوقك للهلاك،" قالها وهو بيقرب والرشاش متوجه لصدري.
وقفت بعيد عنه بمسافة كافية، وبصيت في عينيه بمنتهى القوة: "أنت عايز الولد ليه يا كريم؟ اللعبة انتهت، المنظمة اللي أنت شغال معاها مابقتش موجودة، عادل اتقبض عليه والسراديب اتكشفت.. أنت بتجري ورا سراب."
كريم وشه اتشنج وصوته بقى زي الرعد: "الولد ده هو تذكرتي للخروج! فيه ناس بره مستنية 'الأمانة' ومستعدة تدفع ملايين عشان تهربني.. هاتي يوسف يا سمر، هاتي النسخة اللي فضلت من حياتي القذرة."
* "يوسف مش ابنك يا كريم.. أنت عارف وأنا عرفت. أنت سرقت عمره وسرقت مشاعري.. كفاية لحد كده."
في اللحظة دي، شفت الظابط "أحمد" بيتحرك ببطء من ورا كريم، كان بيحاول ياخد وضعية قنص. كان لازم أشغل كريم أكتر، كان لازم أخليه ينسى الدنيا كلها ويركز معايا أنا بس.
"فاكر أول يوم جبته فيه البيت؟" قلتها بنبرة هادية فجأة، "كنت بتقولي ده رزقنا.. أنا صدقتك، حبيت الكذبة لدرجة إني كنت بموت عشان أحميها. أنت محرمتنيش من ابني بس، أنت حرمتني من نفسي."
كريم صرخ بجنون: "بس! مش عايز أسمع صوتك! اطلعي هاتي الولد وإلا