صاحب ابويا رباني

لمحة نيوز

لما كان عندي 3 سنين، الدنيا اتقلبت فجأة من غير ما أفهم ليه. قالولي إن ماما وبابا ماتوا في حادثة عربية، كلمة "حادثة" كانت كبيرة عليا ساعتها، بس كنت حاسة إن فيه حاجة اتكسرت جوايا حتى وأنا صغيرة. ماكنتش فاكرة ملامحهم غير من صور قديمة باهتة، لكن كنت حاسة دايمًا إن فيه فراغ كبير جوه قلبي مش عارفة أفسره.

الشخص الوحيد اللي ملأ الفراغ ده كان "عادل".. صاحب أبويا، اللي بقى كل حاجة في حياتي. ماكنش مجرد راجل خدني أربي عنده، لأ.. كان أب بكل معنى الكلمة. كان بيصحيني الصبح للمدرسة، يحضرلي الفطار، يذاكرلي، يحكيلي حواديت قبل النوم، ويقعد جنبي لو عيطت من غير سبب. عمره ما حسسني إني لوحدي.

كل ما كنت أسأله عن أهلي، كان يسكت شوية، يبتسم ابتسامة فيها وجع، ويقول:
"أهم حاجة إنك بخير يا بنتي.. الماضي ده تقيل علينا كلنا."

كبرت وأنا مصدقة إن الحكاية خلصت عند كدة… حادثة وخلاص.

عدت السنين، دخلت جامعة، واتخرجت، واتجوزت… وهو كان دايمًا موجود في كل خطوة، واقف ورايا، بيدعمني، وكأنه بيعوضني عن كل حاجة ضاعت مني. يوم فرحي، وهو بيسلمني لجوزي، شفت في عينه دموع عمره ما حاول يخبيها المرة دي… دموع حب وخوف وشيء تاني ماعرفتش أفسره.

بس كل حاجة اتغيرت لما المرض دخل حياته.

بدأ يضعف واحدة واحدة، وابتسامته بقت تقيلة، وكلامه قليل. كنت بقعد جنبه بالساعات، أمسك إيده، وهو يبصلي نظرات غريبة… نظرات فيها حنية، بس كأنها

محملة بحاجة مستخبية.

وفي يوم قبل ما يمشي، قاللي جملة فضلت ترن في وداني:
"سامحيني… حتى لو مش فاهمة ليه."

مافهمتش ساعتها… وافتكرت إنه بيقولها عشان كان شايف نفسه قصر معايا في حاجة.

لما مات، حسيت إن الدنيا رجعت تسحب مني الأمان تاني… كأني يتيمة للمرة التانية فعلًا.

بعد الجنازة بأيام، قررت أروح بيته أرتب حاجته. البيت كان هادي بشكل يخوف… كل ركن فيه ذكريات، كل حاجة بتفكرني بيه. وأنا بلف، لمحت من الشباك ست غريبة، شكلها متوتر، بتحط حاجة في صندوق البوسطة وبتجري بسرعة.

قلبي دق جامد… نزلت جري، بس ملحقتهاش.

رجعت للصندوق، لقيت ظرف من غير اسم.

فتحته… لقيت فلاشة وورقة مكتوب فيها كلام خلّى الدنيا تلف بيا.

"إنتي ما تعرفيش الحقيقة… ولو عايزة تفهمي كل حاجة، شوفي اللي على الفلاشة."

قعدت شوية ماسكة الفلاشة… إيدي بتترعش. كان جوايا صوتين… واحد بيقولي سيبيها، وواحد بيقولي لازم تعرفي.

في الآخر… استسلمت.

شغلتها.

اللي شوفته ماكانش مجرد فيديوهات… كان عالم تاني، حياة تانية، حقيقة تانية خالص.

لقيت تسجيلات قديمة، أوراق، رسائل… كل حاجة بتتكلم عن شغل مشترك بين أبويا و"عادل". مشروع كبير، حلم كانوا بيبنوه سوا. لكن مع الوقت، بدأت تظهر خلافات… كلام عن حقوق، أفكار، تعب سنين.

وفي تسجيل صوتي، سمعت صوت أبويا لأول مرة… صوته كان قوي، غاضب، بس مش مفهوم بالكامل. وفي المقابل، صوت "عادل" كان هادي… زيادة عن

اللزوم.

لكن الغريب… إن كل التسجيلات كانت ناقصة، مش كاملة. كأن حد قاصد يسيب أجزاء ويخفي أجزاء.

كل ما أتعمق أكتر، كنت بحس إن الصورة مش واضحة زي ما الورقة قالت.
كان فيه حاجة ناقصة… حاجة مش راكبة.

وبعدين لقيت ملف أخير.

رسالة بصوت "عادل".

فتحته… وقلبي كان هيقف.

صوته كان ضعيف، واضح إنه اتسجل وهو مريض.

"لو وصلتي لهنا… يبقى إنتي قررتي تعرفي. وأنا عارف إنك محتارة… وممكن تكرهيني. بس الحقيقة مش زي ما باينالك. أنا غلطت… آه، غلطت لما سكت… لما سيبت الأمور تكبر… لكن عمري ما أذيت أبوكي ولا أمك."

سكت شوية… وبعدين كمل:

"اللي حصل كان أكبر مني… وأنا حاولت أصلح اللي أقدر عليه بطريقتي. يمكن اختياراتي كانت غلط… بس عمري ما بطلت أحبك، ولا بطلت أحاول أحميكي."

دموعي نزلت من غير ما أحس.

"اللي بعتلك الفلاشة دي… مش عايز الحقيقة تظهر. عايز يشوه كل حاجة. لو عايزة تعرفي الباقي… دوري كويس في الورق اللي سيبتهولك في المكتب… الحقيقة مش في الفيديوهات… الحقيقة في اللي اتخبّى."

قفلت التسجيل… وأنا مش قادرة أتنفس.

جريت على المكتب، وفضلت أدوّر… لحد ما لقيت درج مقفول. وبعد محاولات، فتحته.

جواه… كل حاجة.

مستندات، عقود، رسائل موقعة من طرف تالت… شخص تاني خالص كان داخل بينهم، هو اللي بدأ الخلاف، وهو اللي لعب في كل الأطراف.

ساعتها بس فهمت.

الحكاية ماكنتش خيانة زي ما باين… ولا تضحية كاملة زي ما كنت فاكرة.

كانت شبكة معقدة… قرارات غلط، وسكوت في وقت كان لازم فيه كلام، وخوف خلّى كل حاجة تتلخبط.

"عادل" ماكانش ملاك… لكنه ماكانش الشخص اللي اتوصفلي برضه.

كان إنسان… غلط، وندم، وحاول يصلح بطريقته… حتى لو الطريق ماكانش صح.

قعدت على الأرض، وسط الورق، وبصيت حواليّا في البيت اللي اتربيت فيه.

كل ذكرى رجعت… وكل لحظة حب، وكل موقف.

وسألت نفسي السؤال اللي فضّل معلق:

هل الإنسان بيتحاسب على غلطه… ولا على اللي عمله بعد الغلط؟

وبين دموعي… خدت القرار.

مش ههرب من الحقيقة… ومش هسمح لحد يشوهها.

هعرف كل حاجة… للنهاية.

حتى لو كانت أصعب من إني أتحملها.

بعد ما قعدت وسط الورق لساعات، حسّيت إن عقلي بقى تقيل… مش من كتر المعلومات، لكن من كتر التناقض. كل حاجة كانت بتقول إن "عادل" كان بيحاول يصلّح، بس في نفس الوقت، كان فيه أسرار اتخبت بعناية… كأن الحقيقة نفسها كانت بتتجزأ قصاد عيني.

قمت ببطء، ومسحت دموعي، وبدأت أرتّب كل حاجة لقيتها. حاولت أعمل تسلسل للأحداث… مين قال إيه، إمتى، وإزاي. وكل ما أربط خيط، ألاقي خيط تاني بيفكّه.

بس الحاجة الوحيدة اللي كانت واضحة… إن في "شخص تالت" لعب دور كبير، أكبر مما كنت متخيلة.

الاسم كان بيتكرر في الورق، بس دايمًا بشكل غير مباشر… حروف مختصرة، توقيعات مش كاملة، ومراسلات فيها تلميحات أكتر من كلام صريح.

وفي وسط كل ده… لقيت ظرف صغير، متداري بين الأوراق، مكتوب عليه بخط

إيد "عادل":
"ما يتفتحش غير لما تبقي مستعدة تواجه الحقيقة بجد."

قلبي دق بسرعة… حسّيت إني على باب حاجة كبيرة.

 

تم نسخ الرابط