في قعدة توزيع ميراث جدتي
ظهرت وغيّرت كل حاجة.
بعد ما قفلت جواب جدتي وحطيته في الدرج قدامي، فضلت باصة له شوية طويلة، كأني مستنية صوتها يطلع تاني من الورق، أو إيدها تتحط على كتفي زي زمان، بس المرة دي كان في إحساس مختلف مش حزن، ولا حتى اشتياق بس كان في حاجة أقرب للسلام، لأول مرة في حياتي ما كنتش حاسة إني محتاجة أرجع ورايا، ولا أفسر نفسي لحد، ولا أستنى اعتراف من حد بقيمتي.
عدّى أسبوع، وبعده أسبوعين، والحياة بدأت تاخد شكل جديد المدرسة اللي فتحتها بدأت تكبر، عدد الأطفال زاد، والمدرسين اللي اشتغلوا معايا كانوا ناس عندهم نفس الشغف، مش مجرد شغلانة والسلام، وكنت كل يوم بصحى حاسة إن حياتي بقت ملكي أنا، مش نسخة مصغرة من توقعات حد تاني.
لكن الماضي ما بيسكتش بسهولة.
في يوم، وأنا خارجة من المدرسة، لقيت عربية سودا واقفة قدام الباب، ونزل منها أخويا براندون، أول مرة أشوفه من يوم قعدة الميراث، كان شكله مختلف مش البرنس اللي متعود عليه، لا، كان في عينه توتر وغضب
بصيت له بهدوء وقلت عن إيه؟ خلصنا كل حاجة.
ضحك بسخرية وقال إنتي فاكرة الموضوع خلص؟ إنتي أخدتي كل حاجة كل حاجة!
رديت عليه بنفس الهدوء أنا ما أخدتش حاجة دي كانت وصية جدتي.
قرب أكتر وقال بصوت واطي بس مليان تهديد وصية مش طبيعية ومش هتعدي بسهولة.
في اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل في القعدة كان مجرد بداية، مش نهاية.
بعدها بيومين، وصلني إنذار قانوني العيلة رافعة قضية للطعن في الوصية، بيقولوا إن جدتي كانت غير مؤهلة ذهنيًا وقت ما نقلت الأصول، وإن في تلاعب حصل، وأنا طبعًا المتهمة الأولى بشكل غير مباشر.
وقفت وأنا ماسكة الورق، نفس الإحساس القديم حاول يرجع إحساس إنهم بيتكاتفوا ضدي، إن صوتهم أعلى، وإنهم ممكن يكسبوا بس لأنهم أكتر بس المرة دي، ما انهارتش.
كلمت هارولد كسلر فورًا، صوته جه هادي كعادته كنت متوقع ده.
قلت له يعني إيه؟
رد جدتك كانت عارفة إنهم هيحاولوا وده سبب إن كل حاجة اتعملت بدقة
طلب مني أروح له المكتب، ولما وصلت، حط قدامي ملفات ضخمة، وقال دي تسجيلات، توقيعات، تقارير طبية، وشهادات سبع سنين من التوثيق.
فتحت أول ملف، لقيت فيديو جدتي قاعدة قدام الكاميرا، بتتكلم بوضوح وبتركيز، بتقول التاريخ، وبتشرح ليه قررت تحول أموالها، وبتأكد إنها بكامل قواها العقلية، مش مرة واحدة لا، عشرات المرات، في تواريخ مختلفة.
دموعي نزلت وأنا بشوفها مش بس لأنها وحشتني، لكن لأن كل تفصيلة كانت بتقول إنها كانت بتحارب عشاني، حتى وهي عارفة إنها ممكن ما تكونش موجودة وقت المعركة.
كسلر بص لي وقال إنتي مش لوحدك في ده عمرك ما كنتي.
القضية خدت شهور جلسات، محامين، اتهامات، نظرات من العيلة كلها مليانة كره، أمي كانت بتتجنب تبص لي، وأبويا كان بيحاول يظهر إنه محايد، لكن واضح إنه معاهم، وبراندون كان بيبص لي وكأن وجودي نفسه إهانة له.
وفي يوم الحكم المحكمة كانت هادية بشكل مخيف، القاضي قرأ
في اللحظة دي، حسيت إن الهواء رجع صدري، مش بس كسبت القضية كسبت حقي، حقي في نفسي، حقي في اختيار حياتي بدون ما حد يقرر أنا أستاهل ولا لأ.
العيلة خرجت من القاعة في صمت نفس الصمت اللي بدأ بيه كل حاجة، بس المرة دي كان صمت هزيمة.
وأنا؟ ما جريت وراهم، ما حاولتش أوقفهم، ولا حتى أبص عليهم.
رجعت مدرستي مكاني الحقيقي.
عدّى وقت، وفي يوم عادي جدًا، كنت قاعدة مع الأطفال بنرسم، بنت صغيرة شدت هدومي وقالت لي ميس ثيا إنتي طيبة أوي.
ابتسمت لها وقلت ليه شايفة كده؟
قالت ببساطة عشان إنتي بتخلينا نحس إننا مهمين.
سكت شوية وبعدين ضحكت.
يمكن ده كان أعظم انتقام مش إني أخدت فلوس، ولا كسبت قضية
لكن إني بقيت الشخص اللي كنت محتاجة حد زيه زمان.
وفي نفس الليلة، وأنا بقفل المدرسة، بصيت للسماء وقلت بهدوء الفخ قفل بس مش عليهم بس قفل على الماضي كله.
ومشيت من غير ما أبص ورايا.