في قعدة توزيع ميراث جدتي
في قعدة توزيع الميراث، أمي قعدت بمنتهى البرود قدام 14 شخص وبصت في عيني وقالت لي إنتي طول عمرك كنتِ الأقل غلاوة عندها، قالتها وكأنها بتعلن حقيقة كونية مش مجرد جملة قاسية، وفي اللحظة دي حسيت إن اسمي اتمسح من الوجود مش بس من الورق، خصوصًا لما المحامي كمل قراءة الوصية وما جابش سيرتي ولا مرة، بيت، حسابات، استثمارات، مجوهرات، كله اتوزع وكأني مش بنت العيلة دي أصلاً، ووسط الصدمة دي كان في راجل كبير قاعد في الركن ساكت، شعره أبيض وملامحه هادية بشكل غريب، ماسك ظرف جلد وكأنه مش جزء من المشهد، لحد ما فجأة قام وقف وقال بصوت ثابت قطع الصمت أنا آسف للمقاطعة لكن اللي اتقري ده مش الصورة الكاملة.
الأنظار كلها اتوجهت له، وأبويا اتعصب وقال له إنت مين أصلًا؟، فرد بهدوء اسمي هارولد كسلر وأنا المحامي الخاص بالسيدة إليانور من سبع سنين، أمي ضحكت بسخرية وقالت محامي خاص؟ أول مرة نسمع عنه، رد عليها وهو بيبص في عيني وده كان مقصود، وبعدها طلع الظرف اللي معاه وحطه قدامي أنا تحديدًا وقال دي تعليمات منفصلة، ومختومة، ومش مسموح تتفتح إلا بعد قراءة الوصية
قلبي كان بيدق بطريقة مرعبة، وإيدي كانت بتترعش وأنا بلمس الظرف، حسيت فجأة إن جدتي موجودة، كأنها لسه ماسكة إيدي زي آخر مرة، وبتقول لي الجملة اللي كانت دايمًا بترددها أنا مأمنة حياتك، بس المرة دي فهمت إنها كانت تقصد حاجة أكبر بكتير من مجرد كلام، كسلر فتح الظرف بنفسه وبدأ يقرأ، وصوته كان هادي لكنه تقيل، قال هذه وثيقة مكملة للوصية، وتشمل نقل ملكيات وأصول تم تحويلها خلال السنوات السبع الماضية بشكل قانوني ومنفصل عن التركة الأساسية، وأول سطر خلّى أمي تقوم من مكانها فجأة، لأنه قال تم تحويل 70 من إجمالي ثروة السيدة إليانور إلى حساب استثماري باسم الآنسة ثيا لوسون.
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل لدرجة إنك ممكن تسمع أنفاس الناس، أخويا قال بصوت مكسور مستحيل دي سرقة، كسلر رد عليه فورًا كل التحويلات موثقة وموقعة ومراجعة قانونيًا، جدتكم كانت بتسحب الأصول تدريجيًا من التركة الأساسية وتحولها لحسابات منفصلة، أمي قربت مني وقالت بنبرة متوترة أول مرة أشوفها فيها أكيد في غلط إنتي عملتي حاجة!، بصيت لها وأنا لأول مرة
كسلر كمل قراءة الورق، وقال إن جدتي ما اكتفتش بكده، لكنها كمان كتبت رسالة شخصية تتقري بصوت عالي، ولما بدأ يقرأها، صوتها كأنه خرج من الكلمات، قالت فيها لو بتسمعي الكلام ده يا ثيا، يبقى أنا عملت اللي كان لازم أعمله أنا شوفت كل حاجة، شوفت إزاي كانوا بيكسروكي بهدوء، وإزاي كانوا بيقيسوا قيمتك بالفلوس والمظاهر، وأنا رفضت إنك تعيشي باقي عمرك بتحاولي تثبتي إنك تستحقي الحب، عيني دمعت غصب عني، وكملت الرسالة أنا ما سبتش لك فلوس بس أنا سبت لك حرية، حرية إنك تعيشي زي ما إنتي عايزة من غير ما تبصي وراكي، وسحبت كل حاجة منهم قبل ما ياخدوها كحق، لأنهم عمرهم ما فهموا معنى العيلة.
أبويا ساعتها حاول يتكلم، بس صوته ما طلعش، وأمي كانت واقفة مش مصدقة، وبراندون كان باصص لي كأنه أول مرة يشوفني، كسلر قفل الملف وقال الإجمالي الحالي للأصول المنقولة يتجاوز 2 3 مليون دولار بالإضافة إلى استثمارات هتنمو خلال السنوات القادمة، وبعدها بص لي وقال وجدتك ما كانتش بس بتحبك كانت بتحميك.
في اللحظة
خرجت من البيت وأنا حاسة إني أخف، كأن في حمل اتشال من على صدري، الفلوس كانت مجرد وسيلة، لكن اللي جدتي سابته لي بجد هو حقي في نفسي، وبعد شهور، فتحت مدرسة صغيرة زي ما كنت بحلم، بس المرة دي ما كنتش محتاجة موافقة حد، ولا إثبات لحد، كنت بشتغل وأنا عارفة قيمتي، وكل طفل بيضحك قدامي كان بيأكد لي إن اختياري كان صح.
وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي، وصلني جواب تاني من كسلر، كان فيه ورقة واحدة مكتوب فيها بخط جدتي لو وصلتي لهنا يبقى الفخ قفل صح، ضحكت وأنا بقرأها، وفهمت إن الفخ ما كانش للفلوس كان للحقيقة، الحقيقة اللي اتأخرت سنين، لكنها في الآخر