حينما بكي الطبيب أثناء ولادتي

لمحة نيوز


إيمان سكتت لحظة، وبعدين قالت بحنية: "ولا يهمك، إحنا كلنا هنا معاكي."
الكلمة دي كانت هتكسر نور أكتر ما القسوة بتكسر. طول شهور الحمل، اللي كان بيوجعها مكنش مجرد إنها اتسابت لوحدها، الوجع له شكل وعنوان، له رقعة باب وسكوت تليفون مبيتردش عليه.
لكن اللي كان بياكل في روحها هو "الكسرة".
"محمود" سابها في نفس الليلة اللي عرف فيها إنها حامل. أول ما الكلمة طلعت من بوقها، الدنيا اتغيرت، والوعود اللي كانت بتتبني في سنين، اتهدت في لحظة واحدة.
ولما بدأت الولادة، ودخل دكتور رفعت وبدأ يباشر شغله بكل برود وهدوء، فجأة كل ده اختفى. أول ما المولود نزل وشافه، الدكتور اتسمر في مكانه. بص للمولود بذهول، وشه اتقلب مية لون، وإيديه اللي كانت بتوزن بلد اتهزت، ودموعه نزلت كأنها شلال.
الممرضات وقفوا مذهولين، ونور قلبها سقط في رجليها وهي بتصرخ: "ابني ماله يا دكتور؟ رد عليا ابني ماله؟"
الدكتور

مكنش قادر يرد، كان بيبص للبيبي ويبكي، لأن السر اللي شافه في ملامح المولود ده، كان يخصه هو شخصيًا.. سر قديم كان فاكر إنه اتدفن من سنين طويلة.
نور كانت بتترعش على السرير، عينيها رايحة جاية بين وش الدكتور المخطوف وبين طفلها اللي لسه مطلعش صوت. "يا دكتور طمني.. ابني فيه حاجة؟" صوتها كان طالع بالعافية من كتر الرعب.
دكتور رفعت مكنش سامعها، كان في عالم تاني خالص. بص للممرضة إيمان بإشارة من إيده وهو بيحاول يسيطر على شهقاته، الممرضة بسرعة أخدت الطفل وبدأت تنظفه وتفحصه، والطفل أخيرًا صرخ.. صرخة قوية ملأت الأوضة، بس دكتور رفعت فضل واقف مكانه، ساند إيده على طرف الترابيزة، ورجله مش شايلة جسمه.
الممرضة لفت الطفل في القماشة البيضا وقربت من نور: "مبروك يا مدام نور، ولد زي القمر، وعشرة على عشرة."
نور أخدت ابنها في حضنها وهي بتبكي من الفرحة، بس عينيها لسه على الدكتور اللي خرج من الأوضة
بسرعة من غير ما ينطق ولا كلمة. إيمان الممرضة بصت لنور وقالت لها بذهول: "أنا بقالي عشر سنين مع دكتور رفعت، عمري ما شفته بالحالة دي.. ده أوقات بيبقى أصعب من الحجر!"
بعد ساعة، نور كانت في أوضتها، هادية والبيبي نايم في حضنها. الباب خبط ودخل دكتور رفعت. كان غسل وشه، بس عينيه لسه حمراء ومجهدة. سحب كرسي وقعد قدامها، بص للأرض شوية وبعدين بص في عينيها مباشرة.
"نور.. أنا مش عارف أقولك إيه، بس أنا مدين ليكي باعتذار، ومدين للطفل ده بحياتي كلها."
نور استغربت: "اعتذار عن إيه يا دكتور؟ إنت أنقذتني أنا وابني."
دكتور رفعت أخد نفس عميق وقال بصوت مخنوق: "الطفل ده.. فيه علامة وراثية نادرة جدًا في عينيه، لون العين اليمين مختلف بدائرة صغيرة لونها ذهبي.. العلامة دي مش موجودة غير في عيلة واحدة أنا عارفها كويس.. عيلتي أنا."
نور جسمها اتلج: "عيلتك إزاي؟ أنا جوزي اسمه محمود.."
قاطعها الدكتور:
"محمود رفعت الشاذلي.. ابني الوحيد اللي قاطعته من سنتين لما رفض يكمل تعليمه واختار طريق تاني خالص، واختفى وساب البيت بعد خناقة كبيرة بينا."
نور نزلت دموعها بصمت، والدكتور كمل: "أنا كنت فاكر إني ربيته على الأصول، بس لما عرفت إنه سابك وإنتي حامل، عرفت إني فشلت.. أنا كنت واقف النهاردة بولّد حفيدي وأنا مش داري، حفيدي اللي ابني كان عاوز يتخلى عنه."
دكتور رفعت قام وقف وقرب من السرير، باس راس نور وباس إيد حفيده الصغير: "من النهاردة، إنتي مش لوحدك يا نور. أنا مش بس دكتورك، أنا جد الولد ده، وبيتي هو بيتك. والسر اللي إنتي شلتيه تسع شهور، أنا هشيله معاكي طول العمر.. ومحمود، حسابه معايا أنا."
في اللحظة دي، نور حست إن الوجع اللي شالته لوحدها في البرد وفي ضلمة الشوارع، كان مجرد طريق عشان توصل لـ "الأمان" اللي مكنتش تتخيله أبدًا. الحكاية بدأت بأم وحيدة، وانتهت بعيلة اتولدت من جديد
في أوضة عمليات.

تم نسخ الرابط