حينما بكي الطبيب أثناء ولادتي

لمحة نيوز

واحدة ست لسه في مقتبل العمر دخلت المستشفى لوحدها خالص — لا جوز، ولا أهل، ولا حد من ريحة الحبايب. مفيش غير قلب مكسور وسر تقيل شايلاه بقالها تسع شهور. بس أول ما الدكتور شاف المولود، وقف فجأة. إيديه اترعشت، وبعدها — بدأ يعيط. اللي حصل بعد كده في أوضة الولادة دي غيّر حياة كل اللي فيها للأبد.
أول راجل عيط لما "نور" ولدت مكنش الأب.
دي كانت التفصيلة اللي الناس فضلت تحكي فيها بوشوشة في الطرائق، وكلام في المطابخ، وفي قعدة عيلة خاصة مفيش حد حضرها هيقدر ينساها أبدًا. مش منظر التعب، ولا الجو اللي كان برا، ولا حتى الطريقة اللي نوتة الدكتور وقعت بيها من إيده ورزعت في الأرض لدرجة إنها فزعت الممرضات.
كان بسبب العياط.
لأن دكاترة كبار زي دكتور "رفعت" مبيعيطوش في أوض الولادة.
دكتور رفعت كان عنده ثمانية وخمسين سنة، من نوعية الدكاترة اللي الصغيرين بيقفوا يتعلموا منهم.

شعره غزا البياض عند الجناب، إيديه ثابتة زي الميزان، وصوته يقدر يهدي أي أم مرعوبة قبل ما المسكن يلمس جسمها، وكان معروف في المستشفى ببروده وثباته الانفعالي في المواقف الصعبة اللي بتخلي غيره يغرق في عرقه.
ده ولّد آلاف الستات.
وبلّغ عن حالات حرجة من غير ما تتهز فيه شعرة.
وأعلن حالات وفاة من غير ما يخلي حزنه يبقى حمل على حد.
عمره ما عيط.
عشان كده، لما نور شافت وشه وهو بيتغير بعد ما بَص بصة واحدة لابنها، الرعب اللي حست بيه مكنش مجرد خوف، كان كأن الأرض انشقت وبلعتها.
كانت داخلة المستشفى لوحدها مع الفجر في يوم برد من أيام طوبة، شايلة شنطة قماش بسيطة، وإزازة ميه، والدوسيه اللي فيه ورقها، وتسع شهور من الوجع اللي عودت نفسها تشيله من غير ما تطلع صوت.
برا، الهوا كان بيخبط في البيوت والشوارع لسه نايمة. وصوت أذان الفجر كان بيرن وهي واقفة على السلم بتسند نفسها
مع كل وجعة "طلق"، إيد سانده بيها على السور الحديد، والإيد التانية ضاغطاها تحت بطنها.
واحدة متطوعة في المستشفى فتحت لها الباب وجريت عليها: "يا بنتي، إنتي لوحدك؟ مفيش حد معاكي؟"
نور اتعدلت، لأن الكرامة كانت آخر ستر فاضل لها وقالت: "أنا كويسة"، رغم إن فيه وجعة تانية كانت بتعصر ضهرها عصر.
الست الكبيرة بصت لها البصة اللي الستات بيفهموا بيها إن اللي قدامهم بيكدب عشان يداري وجعه، بس كانت ذوق كفاية إنها متكسفهاش.
جوا، ريحة المكان كانت مطهرات وقهوة وريحة المستشفيات الساقعة. الممرضة اللي في الاستقبال بدأت تسأل الأسئلة المعتادة.
"الاسم؟"
"نور صبري."
"رقم الطوارئ؟ حد نكلمه؟ جوزك، والدك، أخوكي؟"
السؤال ده نزل عليها زي الصاعقة. ترددت ثواني، والممرضة رفعت عينها وبصت لها باستغراب. نور رسمت ابتسامة باهتة وقالت: "جوزي بيركن العربية وطالع ورايا."
الكلمة طلعت ناعمة
زيادة عن اللزوم، كأنها بتمثل. الممرضة مكدبتهاش، بس عينيها نزلت على إيد نور الشمال.. مكنش فيه دبلة، بس كان فيه علامة باهتة لمكان دبلة فضة كانت موجودة في يوم من الأيام، دبلة لبستها في ليلة وعود كدابة، قبل ما تكتشف إن فيه رجالة بيحبوا الكلام عن الإخلاص بس مبيحبوش يدفعوا تمنه.
"معاكي كارت التأمين؟"
نور ادتهولها.
"نفسك في ولد ولا بنت؟"
نور ابتسمت بوجع: "المهم يكون بخير.. ده اللي بتمناه."
على الساعة ستة ونص، نور كانت في أوضة الولادة رقم 4. الأوضة كانت بتبص على الشارع والجو برا كان مغيم. صوت جهاز نبض الجنين كان هو الحاجة الوحيدة اللي مصبرة قلبها ومنسياها الخوف.
ممرضة صغيرة اسمها "إيمان" ساعدتها تغير لبسها وربطت أحزمة الجهاز على بطنها وسألتها ببراءة: "أول بيبي؟"
"أيوه."
"والد الأستاذ فين؟"
نور دارت وشها ناحية الشباك كأن المطر اللي برا محتاج تركيزها كله،
وقالت بصوت واطي ومكسور: "مش هنا."

تم نسخ الرابط